عصام سلمان (64 عامًا)، أب لأربعة، من سكّان بيت لحم، تحدّث في الإفادة التي أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميداني عامر عاروري في 9.11.24 كيف مُنع تمامًا، تقريبًا، من الوصول إلى كروم الزيتون الخاصّة به والتي بقيت خلف الجدار الفاصل
22 كانون الثاني/يناير 2025
منذ إنشاء الجدار الفاصل، في بداية سنوات الألفين، مُنِعتُ من الوصول بحرّيّة إلى أرضيّ الواقعة في منطقة وادي الشامي وبالقرب منهما أقيمت مستوطنة "هار حوما" على جبل أبو غنيم. لقد بقيتْ أرضي في الجانب "الإسرائيليّ" من الجدار، وبغية الوصول إليها يجب عليّ التسجيل في قائمة أصحاب الأراضي، عن طريق مكتب التنسيق والارتباط الفلسطينيّ الذي ينسّق مع سلطات الاحتلال الإسرائيليّ التي تتحكّم بفتح وإغلاق بوّابة الجدار. في إطار هذا الـ "تنسيق"، لا تسمح لي السلطات الإسرائيليّة بالوصول إلى الأرض إلّا ثلاثة أيّام في السنة، سويّةً مع أصحاب الأراضي الآخرين، عبر بوّابة الجدار في بلدة بيت ساحور.
ورثتُ أنا وشقيقاي ملكيّة قطعة أرض مساحتها عشرة دونمات. في الماضي، حتّى ما قبل إنشائهم الجدار، كان موسم قطف الزيتون يزوّدنا بزيت الزيتون وبالزيتون بكثرة على مدار السنة، إذ كنّا نجني نحو 10 حاويات من زيت الزيتون ونقسّمها فيما بيننا. أما اليوم، بعد بناء الجدار الفاصل، فأصبحنا نضطر، أنا وشقيقيّ، إلى شراء زيت الزيتون والزيتون من المزارعين الذين لديهم أراضٍ زراعيّة داخل بيت لحم.
حتّى في الأيّام التي يُسمَح لنا فيها بالوصول، فإنّ دخول الأرض ليس عمليّة سهلة. يتحكّم الجنود بفتح بوّابة الجدار وغالبًا ما ننتظر ساعة، وأحيانًا ساعتين أو ثلاث ساعات، حتّى يأتي الجنديّ الإسرائيليّ ويفتح لنا البوّابة. إنّهم يمنعوننا من دخول الأراضي بالسيّارات، لذا نضطرّ إلى الوصول إليها سيرًا على الأقدام. ويستغرق منّي الوصول إلى أرضي نصف ساعة. في إحدى المرّات وصلتُ في الموعد الذي كان من المفترض بهم أن يفتحوا بوّابة الجدار فيه، وبعد أن انتظرتُ ساعتين جاء جنديّ إسرائيليّ وقال لأصحاب الأراضي: "الدخول ممنوع اليوم. عودوا غدًا". ولأنّني كنتُ مشغولًا بعملي، لم أتمكّن من الوصول إلى الأرض في اليوم التالي.
نظرًا لأنّ الأرض بحاجة إلى عناية والأشجار إلى تقليم في الفصول المختلفة طوال السنة كلّها، لم تعد ثمة أيّ جدوى من الوصول إلى الأرض في الأيّام الثلاثة التي تخصّصها لنا سلطات الاحتلال خلال موسم قطف الزيتون. الأشجار المهملة توقّفتْ عن حمل الثمار. بالإضافة إلى ذلك، حتّى في هذه الأيّام، يُحظَر على أصحاب الأراضي إحضار عمّال للاعتناء بها وبأشجار الزيتون وتشذيبها كما كنت أفعل حتّى بنوا جدار الفصل العنصريّ هذا. علاوةً على ذلك، تمّ حرق قسم من أشجار الزيتون التابعة لنا بأيدي أشخاص مجهولين، ما سبّب لي ألمًا وحزنًا هائلين. رغم أنّ الاحتلال يمنعنا من العمل في أرضنا، وليس هناك فائدة كبيرة من الأيّام التي يسمحون لنا فيها بالوصول إليها، إلّا أنّني واظبتُ على الوصول إلى الأرض كلّما كانوا يسمحون لي بذلك. لكنّ الوصول إليها ورؤية أشجار الزيتون محروقة هو أمر لا يُحتمل. شجرة الزيتون بالنسبة لي مثل طفل وطفلة، أحبّها وأحرص على سلامتها والاعتناء بها. تخيَّل لو حدث مكروه لابنك أو لابنتك، كيف سيكون ردّ فعلك؟ سوف تكون حزينًا وقلقًا بالتأكيد.
لا يُسمَح لجميع أفراد عائلتي وأفراد عائلتَي شقيقيّ بالوصول إلى الأرض إلّا وفقًا للقوائم المقدَّمة إلى مكتب التنسيق والارتباط الفلسطيني، والذي يقوم بدوره بالتنسيق مع مكتب التنسيق والارتباط الإسرائيليّ. لكن، حتّى لو وصلنا جميعًا إلى الأرض معًا، فلن يكون لذلك أيّ فائدة، سواء لعدم وجود ثمار زيتون على الأشجار أو من ناحية نفسيّة - منظر الأرض المهملة والأعشاب الضارّة في كلّ مكان والأسوار الحجريّة (المدرَّجات) التي دُمِّرت من جرّاء عدم الصيانة، فذلك كلّه يلقي بظلاله على فرحة الوصول إلى الأرض ويجعلها مُعكَّرة بالحزن.
من المهمّ بالنسبة لي أن يدخل أولادي وأحفادي إلى أرضنا، حتّى يعرفوا أنّ لديهم حقًا لا يمكن للجدار أن يمحوه. وكنتُ أوَدّ حقًّا أن يعيش أحفادي تجربة موسم قطف الزيتون، وقبل ذلك تجربة رعاية الأرض والأشجار، كما عشتُها أنا في طفولتي وصباي.