سياسة التخطيط في الضفّة الغربيّة

منطقة المخرور- مسّ بالمصالح التجارية وأوقات الفراغ والزراعة

تمتدّ منطقة المخرور المعرّفة كمنطقة C، على قرابة 3,000 دونم غربيّ بيت جالا وشارع 60 وجدار الفصل المخطط، وجنوب مستوطنة هار جيلو. هذه منطقة زراعية تحتوي على "مصاطب" (مدرجات حجرية) عتيقة تقع على سفوح التلال، وقمرات حراسة عتيقة ما زال المزارعون يستخدمونها، والقليل من أشجار الفواكه إلى جانب حرج طبيعيّ وأحراج مغروسة. تتميّز المنطقة التي تقع على ارتفاع أكثر من 900 متر فوق سطح البحر، بالهواء النقيّ والمساحات الممتدّة ومنظر طبيعيّ أصبح نادرًا في قلب المراكز السكنية المجاورة المكتظة. وتجذب مزايا المكان سكان المنطقة، الذين يتمتعون بالتنزه والمكوث فيه في أوقات فراغهم. في عام 2001 شُيّد في الموقع مطعم حظي بالنجاح، حيث أنّ وزارة الخارجية الإيطالية تموّل مشروعًا سياحيًا في هذه المنطقة، يشمل ترميم المسارات التي تصل تلك القرية بقرية بتير إلى جانب تنظيم نزهات إرشادية.

מפת אזור אל-מח'רור

وباستثناء المحميات الطبيعية العتيقة، يوجد في المخرور 12 مبنى –تبعد عن بعضها البعض ما بين 150 وحتى 500 متر- يستخدمها أصحاب الأراضي في المواسم الزراعية، وأفراد عائلاتهم الذين ينضمون إليهم في نهايات الأسبوع. في عام 2006 نصبت بلدية بيت جالا في المخرور قرابة 50 عمودًا كهربائيًا، بتمويل من الاتحاد الأوروبيّ. وقد مكّن التيار الكهربائيّ المزارعين في المكان –وغالبيتهم مسنّون- من إضاءة وتدفئة مبانيهم الزراعية، وسهّل من استصلاح الأراضي حيث مكّنهم من استخدام المعدات الكهربائية مثل مضخات المياه ورشاشات المبيدات الكهربائية.

ترفض الإدارة المدنية تخطيط هذه المنطقة وهي تهدم المنازل التي شُيّدت فيها من دون تصريح. فمثلا، في كانون الأول 2011 هدمت الإدارة المدنية ثلاثة مبان زراعية. في أيار 2012 هُدم المطعم، وبعد ثلاثة أشهر على ذلك –بعد إعادة بنائه- هدمته الإدارة المدنية ثانية. في 3/4/2012 هدمت الإدارة المدنية قرابة نصف أعمدة الكهرباء. وقد اقتنى المزارعون أعمدة وكوابل جديدة، ونجحوا في ترميم الشبكة الكهربائية بمساعدة شركة الكهرباء الفلسطينية. في 16/1/2013 هدمت الإدارة المدنية الشبكة المرمّمة ثانية، وفي 18/4/2013 هدمت المطعم للمرة الثالثة، بعد إقامتها مجددًا.

مواد مقترحة

بركة طبيعية في وادي قانا. تصوير:  بتسيلم، 27/3/2014.

المستوطنات

وادي قانا: من وادٍ زراعيّ فلسطينيّ إلى متنزّه سياحيّ للمستوطنات

قطف البرتقال في وادي قانا. تصوبر: إياد يُعتبر وادي قانا أحد تفرّعات نهر العوجا (هَيَرون)، وفي قسمه المركزيّ الواقع في منطقة C ثمة ينابيع وجداول عدة تتفرّع عنه. وتقع أراضيه بملكيّة فلسطينيّة، غالبيتهم من قرية دير إيستا المجاروة، وهم يستخدمونها للزراعة والرعي. منذ أجيال عديدة، وحتى سنوات التسعين، درجت عدّة عائلات من القرية على السكن في الوادي، وكانوا يعتمدون على الجداول للشر وللريّ الزراعيّ لأشجار الحمضيّات والخضروات. وما يزال سكان دير إيستا والقرى المجاورة يدرجون لليوم على الاستجمام عند ضفاف الوادي والتمتع بمياهه. بين الأعوام 1978 و1986 أقيمت عدّة مستوطنات على التلال المُطّلة على ضفتيِّ الوادي: عمانويل وكرنيه شومرون من الشمال، ويكير ونوفيم من الجنوب. ومع الوقت توسّعت مستوطنة كرنيه شومرون لتمتدّ على عدّة تلال مجاورة. بين الأعوام 1998 و2000 أقيمت إلى جانب هذه المستوطنات بؤر استيطانيّة وهي ألوني شيلو وإل متان وحفات يئير. وقد ضخّت المستوطنات والبؤر الاستيطانيّة مياه مجاريها إلى الوادي وأضرّت بجداوله وينابيعه وبمصادر المياه التي يعتمد عليها المزارعون. منازل رعاة في وادي قانا. منازل مستوطنة ياكير في الخلفية. تصوير: جميل دويكات. وفي أعقاب تلويه مياه الشرب، اضطرّت العائلات الفلسطينيّة الخمسين التي سكنت في المكان وقتها واستصلحته لترك الوادي في سنوات التسعين، والانتقال إلى دير إيستا. وتضرّرت مياه الجداول أيضًا بسبب حفريات المياه التي تقوم بها إسرائيل في المنطقة منذ سنوات السبعين: فقد هزلت كميّتها وبالتالي خفّ تيار المياه في الوادي. وأدّت تلويث المياه وشحّها إلى زيادة صعوبة مواصلة الزراعة المرويّة في المكان. وهكذا، ترك مزارعون كثر المحاصيل التي تستوجب الريّ وبدؤوا بغرس أشجار الزيتون بالأساس، وهي أشجار لا تكاد تحتاج للريّ، وبعض أشجار الفاكهة المتساقطة. اضطرّ المزارعون الفلسطينيّون للتنازل عن الزراعة المرويّة والانتقال لغرس أشجار الزيتون التي تكاد لا تحتاج للرّيّ. في عام 1983 أعلنت سلطة الطبيعة والحدائق عن تأسيس محميّة طبيعيّة في المحميّات والحدائق التابعة للإدارة المدنيّة، مساحتها نحو 14,000 دونم وذلك في قناة وادي قادي والمنحدرات التي فوقه، وهي محميّة ناحل كَنيه. وحتى السنوات الأخيرة لم يؤثّر هذا الإعلان على أصحاب الأراضي الفلسطينيّة، إذ واصلوا استخدام مياه الينابيع واستصلاح أراضيهم في الوادي والاستجمام فيها. ورغم هذا الإعلان واصلت المستوطنات ضخّ مياه مجاريها إلى الوادي حتى عام 2006، عندها تمّ ربط المستوطنات المعترف بها بشبكة المجاري وتقلّص التلويث. لكنّ مجاري بؤرتي ألوني شيلو وإل متان ما تزال تُضخّ مباشرة إلى المحميّة الطبيعيّة، فيما تؤدّي انسدادات متكررة في جهاز المجاري التابع لمستوطنتي نوفيم ويكير إلى تلويث مياه الوادي من مرة إلى أخرى. تدفقات مياه الصرف الصحي المستوطنات في وادي قانا. تصوير: بلال منصور ويؤدي مسار جدار الفصل المُخطّط في المنطقة إلى فصل وادي قانا عن أصحاب الأراضي في دير إيستا، ليتركه في الجانب "الإسرائيليّ" في ما يشبه المُسوّرة. ويأتي هذا على شاكلة الكثير من المُسوّرات الأخرى التي يسببها مسار الجدار، بغية ربط المستوطنات بالمنطقة التابعة لإسرائيل وضمّ المزيد من المناطق إليها، وهي المناطق التي ستُغلق أمام الفلسطينيّين. وعلى شاكلة ما حدث مع المُسوّرات الأخرى التي من المخطط أن تدخل في عمق المنطقة الفلسطينيّة، فإنّ الجدار في وادي قانا لم يُشيّد بعد. مُخطّطات لتطوير وادي قانا كموقع سياحيّ في عام 2006 أقيمت مديريّة ترميم وادي قانا، التي تهدف لترميم الوادي وتطوير السياحة فيه. وتعمل في المديريّة أربع جهات: مستوطنة كرنيه شومرون، ووزارة جودة البيئة، وسلطة الطبيعة والحدائق والإدارة المدنيّة. وقالت جهات في مجلس المستوطنة للإعلام إنّ إحدى الغايات من مخطط الترميم تكمن في تعزيز الوجود اليهوديّ في الموقع، ردًّا على "جهات فلسطينيّة تحاول السيطرة على الوادي". في العام ذاته بدأ مجلس كرنيه شومرون بإجراء مسيرة سنويّة كلّ ربيع. وقد أعلن رئيس مجلس كرنيه شومرون وقتها، هرتسل بن أري، أثناء المسيرة التي جرت عام 2010، أنّ المسيرة "جزء من مخططنا الشامل لتحويل وادي قانا إلى الساحة الأماميّة لكرنيه شومرون". وقد حظر الجيش دخول الفلسطينيّين في أثناء المسيرات –منهم أصحاب أراضٍ- إلى وادي قانا.. خارطة المنطقة. بالاخضر: وادي قانا بادرت مديريّة ترميم الوادي عام 2010 إلى "مشروع متنزّه قانا"، الذي يُدار بشراكة مجالس المستوطنات في المنطقة وممثلي سلطة الطبيعة والحدائق والصندوق الدائم لإسرائيل، بتكلفة تُقدّر بثمانية حتى تسعة ملايين شيكل. بدأ تطبيق المشروع في السنوات الأخيرة، وهو يشمل إقامة مِطلاّت في المستوطنات القائمة فوق الوادي، و.شقّ طريق للدراجات الهوائيّة من بؤرة ألوني شيلو الاستيطانيّة وحتى قلب المحميّة الطبيعيّة، الذي أنجز في تشرين الأول 2013 بمساعدة ميزانيّة من وزارة السياحة، وإقامة كورنيش محيط بالمنطقة، إلى جانب وضع اليافطات والدعاية وتنظيم مسارات مع علامات تابعة لسلطة الطبيعة والحدائق تبلور المشروع ليصبح مخطّطًا هيكليًّا، وفي تشرين الثاني 2013 قدّم مجلس كرنيه شومرون "مخطط وادي قانا" (ناحَل كانيه) إلى مكتب التخطيط في مجلس الشومرون الإقليميّ. ويسعى المخطط لتحويل وادي قانا إلى مورد يوفر النشاطات السياحيّة المُدرّة للربح الماديّ للمستوطنات من حوله، والتي ستستقطب إليها سكانًا جددًا. ويشمل المخطط شقّ الشوارع بين المستوطنات ومنها إلى الوادي، وفتح سُبُل طبيعيّة وطرقا للدراجات الهوائيّة ومسارات للسير تصل بين الوادي وبين المستوطنات القائمة فوقه، إلى جانب بناء المواقع المُشرفة ومواقف السيّارات ومواقع التنزّه. يهدف هذا المخطط لخدمة المتنزّهين الإسرائيليّين؛ وهو يتجاهل تمامًا حقيقة أنّ أراضي وادي قانا تتبع لملكيّة فلسطينيّة خصوصيّة، يقوم أصحابها باستصلاحها وتشكّل موقع استجمام لصالح الجمهور الفلسطينيّ. ويؤدّي مخطط الشوارع في المنطقة إلى إلغاء الشارع الفلسطينيّ المؤدّي حاليًّا إلى الوادي، ويقترح بدلا منه طريقًا بديلة جديدة. إلاّ أنّ هذه الطريق تمرّ فوق أراضٍ فلسطينيّة خصوصيّة، في داخل كروم زيتون مكتظّة، وعليه فإنّها ستؤدّي إلى مسّ آخر بالمزارعين الفلسطينيّين، وهي تخصص جزءًا يسيرًا فقط من الوادي يكون مفتوحًا أمامهم. وفي حال اكتمال بناء جدار الفصل في المنطقة، فإنّ هذه الطريق ستُسدّ هي الأخرى. بستان في وادي قانا. تصوير: بلال منصور إبعاد الفلسطينيّين عن وادي قانا تسود قرية دير إيستا، على غرار الكثير من القرى الفلسطينيّة الأخرى، نسب بطالة عالية، وحتى من يعمل فإنّه يستصعب كسب رزق عائلته، بسبب مستويات الأجور المتدنّية. تقع غالبيّة أراضي القرية في منطقة C، وتمنع إسرائيل استغلالها لغايات صناعيّة أو تجاريّة. ولذلك فإنّ استصلاح الأراضي في المنطقة، ومن بينها أراضي وادي قانا، يشكّل أحد مصادر الدخل الشحيحة المتاحة أمام السكّان. وقد بدأ إبعاد المزارعين الفلسطينيّين عن وادي قانا مع تلويث الوادي بمجاري المستوطنات التي أقيمت فوقه؛ وبعد ترميم الوادي يستمرّ هذا الأمر عبر تطوير المكان كموقع سياحيّ إسرائيليّ. وفي أعقاب هذا التطوير، بدأت سلطة الطبيعة والحدائق والإدارة المدنيّة بفرض قيود جسيمة على النشاط الزراعيّ الفلسطينيّ في المكان، بادّعاء أنّ الأمر يشكّل مسًّا بالقيم الطبيعيّة في المحميّة. في عام 2010 جرف مراقبو سلطة المحميّات الطبيعيّة وأتلفوا قنوات الريّ التي حفرها السكان من أجل حرف مسار المياه من الوادي إلى أراضيهم، وبدءً من العام 2011 فإنّهم يمنعون المزارعين من غرس الأشجار في أراضيهم في الوادي بواسطة مصادرة الأشتال وقلع الأشجار. وحتى اليوم اُقتلع نحو ألف شجرة، وصدرت أوامر اقتلاع ضدّ آلاف الأشجار الأخرى. في عام 2012 التمس عدد من أصحاب الأراضي المحكمة العليا ضدّ الإدارة المدنيّة وسلطة الطبيعة والحدائق، في أعقاب أوامر أصدرتها الجهتان المذكورتان من أجل اقتلاع نحو 1,500 شجرة زيتون. وادّعت السلطتان أنّ الأوامر صدرت ضدّ غرس جديد للأشجار تمّ كجزء من "نزعة واضحة لاستصلاح المناطق الطبيعيّة" في المحميّة، من خلال المسّ بالناتات الطبيعيّة، وشكل المنطقة وطابعها النباتيّ. وبعد إجراء مفاوضات توصّل ممثلو الملتمسين وممثلو الدولة إلى اتفاق يقضي بوضع علامات على الأشجاء المُعدّة للاقتلاع سوية. وفي أيار 2013 منحت المحكمة سريانَ قرار حكم على هذه التسوية. وقال القضاء أثناء تلاوة القرار إنّ الأشجار التي ستُقتلع هي التي غُرست في السنتيْن اللتين سبقتا صدور الأوامر، أي بعد نيسان 2010. لكنّ أصحاب الأراضي يقولون إنّ مراقبي سلطة الطبيعة والحدائق وضعوا علامات خلال السنة على أشجار غُرست قبل هذا الموعد، أيضًا. بركة طبيعية في وادي قانا. تصوير: بتسيلم، 27/3/2014. تجاهل السلطات للمسّ الذي يلحقه المستوطنون بالمحميّة خلافًا لتدابير فرض القانون المتطرفة التي تُمارس ضدّ المزارعين الفلسطينيّين، فإنّ السلطات تتجاهل النشاطات غير القانونيّة التي يقوم بها المستوطنون في نطاق المحميّة، والتي تشمل البناء المكثّف وشقّ الطرق وضخّ المجاري إلى الوادي. في ردّها على الالتماس الذي قُدّم للعليا ضدّ اقتلاع الأشجار، ادّعت سلطة الطبيعة والحدائق أنها "تفحص كلّ مسّ في نطاق المحميّة الطبيعيّة، من دون علاقة بهوية مقترفيه، وتوصي بوقف المسّ واجتثاث الظاهرة ما دامت مستمرّة". ولكنّ السلطة تتجاهل على أرض الواقع، أو أنها تماطل على الأقل، كلّ ما يخصّ هذه المخالفات: نحو 100 بيت من بيوت مستوطنات يكير ونوفيم وكرنيه شومرون شُيّدت في نطاق المحميّة. وفي عام 2014 جرى إيداع مخططات هيكليّة لتوسيع مستوطنة يكير وتبييض بؤرة إل ماتان الاستيطانيّة، تشمل تغيير أهداف مناطق مُعرّفة اليوم كمحميّة طبيعيّة، إلى مناطق سكنيّة. جرى شقّ الطريق الموصلة إلى بؤرة ألوني شيلو الاستيطانيّة في داخل المحميّة. في آب 2014 شُقّت طريق جديدة في المحميّة، من ألوني شيلو باتجاه عمانويل. وقد جرت هذه الأعمال من دون ترخيص وألحق الأضرار بالمحميّة، وجرى إيقافها في أعقاب شكاوى الفلسطينيّين من سكان القرى المجاورة. وقد مرّت أكثر من نصف سنة من وقتها، وما تزال سلطة الطبيعة والحدائق تحقّق في المسألة. كما أسلفنا، جرى ضخّ مجاري المستوطنات الواقعة فوق وادي قانان، إلى الوادي لمدّة تقارب عشرين عامًا، بلا حسيب أو رقيب. وحتى اليوم، يستمر تلويث الوادي بمياه المجاري الآتية من البؤر الاستيطانيّة وجراء الأعطاب التي تحدث في جهاز المجاري في المستوطنات. بستان في وادي قانا. تصوير: بلال منصور الطبيعة في وادي قانا خاصّة ومثيرة للانطباع فعلاً ومن الجدير الحفاظ عليها، إلاّ أنّ الزراعة الفلسطينيّة التقليديّة في الموقع هي جزء لا يتجزّأ منها. زد على ذلك أنّ مسلكيات السلطات الإسرائيليّة التي أدّت إلى شحّ انسياب مياه الوادي بسبب الحفريات في المنطقة وسمحت بتلويثها عبر مياه المجاري القادمة من المستوطنات، هي التي اضطرّت المزارعين الفلسطينيّين لتغيير طابع محاصيلهم في الوادي من زراعة مرويّة إلى أشجار الزيتون. يجب على كلّ محاولة جديّة لترميم الوادي أن تشمل ترميم تيار المياه فيه والتوقف عن ضخّ المجاري إليه بما سيسمح للمزارعين بكسب رزقهم ثانية من الزراعة المرويّة في الوادي، كما درجوا على ذلك في السابق. وحتى لو كان من المناسب الإعلان عن الموقع كمحميّة طبيعيّة، فإنّ مثل هذه المحميّة يجب أن تخدم أولاً وأخيرًا الجمهور الفلسطينيّ الذي تتبع له. ولكن في واقع الأمر، فإنّ الإعلان عن وادي قانا، أسوة بأماكن أخرى في منطقة C، كمحميّة طبيعيّة، يهدف بشكل كبير لإبعاد وإقصاء الفلسطينيّين عن أراضيهم. وقد أُعلن عن مئات آلاف الدونمات في منطقة C –14% من المنطقة- كمحميات طبيعيّة أو كحدائق وطنيّة، وتقوم السطات الإٍسرائيليّة في كل هذه المناطق بمنع الفلسطنيّين من البناء وتطوير المنطقة وتقيّد استخداماتها، كما جرى في أماكن أخرى، وذلك بواسطة الإعلان عن مناطق التدريبات العسكريّة أو الإعلان عن أراضي دولة. إنّ إبعاد وإقصاء المزارعين الفلسطينيّين عن أراضيهم في وادي قانا ينتهك حقّهم بالملكيّة ومصادر أرزاقهم. وفي ظاهر الأمر يجري هذا باسم الدفاع عن قيم الطبيعة في الموقع، إلاّ أنّ أحدًا لا يمنع المستوطنات من الدوس على هذه القيم. زد على ذلك أنّ مخطط تحويل الوادي إلى متنزّه مليء بالسبل الطبيعية والطرق والمتنزّهين، يشير إلى النيّة الحقيقيّة التي تضمرها سلطة الطبيعة والحدائق والإدارة المدنيّة، وهي تعميق السيطرة الإسرائيليّة على الوادي وتخصيصه للمستوطنات.

23 نيسان/أبريل 2015

خربة سوسيا، جنوب الخليل: قرية كاملة تحت خطر الهدم. تصوير: إن بك، أكتيف ستيلز، 15.6.2012

تلال جنوب الخليل

خربة سوسيا

خلفيّة تقع قرية خربة سوسيا الفلسطينية جنوبي جبال الخليل، منذ سنوات الثلاثين من القرن التاسع عشر. وقد اعتاش أهلها على رعي المواشي وزراعة أشجار الزيتون. في عام 1983 أقيمت بجوار القرية مستوطنة سوسيا على أراض فلسطينية جرى الإعلان عنها أراضيَ دولة. وفي عام 1986 بلغ عدد العائلات التي سكنت خربة سوسيا، في المباني والمُغر، قرابة 25 عائلة. وفي تلك السنة أعلنت الإدارة المدنية عن منطقة القرية "موقعًا أثريًا"، ثم صودرت الأراضي "لأغراض عامة" وطرد الجيش الإسرائيلي سكانها من بيوتهم. ودون وجود أي خيار، انتقلت العائلات إلى مُغر أخرى في المنطقة وإلى خيم وعرائش أقاموها على أراض زراعية تبعد بضعة مئات الأمتار جنوبي-شرقي القرية الأصلية والموقع الأثريّ. في تموز 2001، وبعد فترة قصيرة على قتل فلسطينيين ليئير هار سيناي، من سكان مستوطنة سوسيا، قامت قوات الجيش الإسرائيلي بطرد سكان القرية مجدّدًا، لتكون هذه آخر مرّة من ضمن مرّات عديدة. وقد جرت عملية الطرد بلا تحذير حيث هدم الجنود خلالها ممتلكات السكان ودمروا المغر وسدّوا آبار المياه. وفي أعقاب التماس إلى المحكمة العليا قدّمه سكان القرية بواسطة المحامي شلومو ليكر، أصدرت المحكمة في أيلول 2001 أمرًا مؤقتًا منع استمرار الهدم إلى حين البتّ في الالتماس. في السنوات التي تلت ذلك، وفيما كان الالتماس عالقًا، اضطرّ السكان لمواجهة وضعيّة غير معقولة: فمن جهة كانوا مضطرّين لتشييد مبانٍ سكنيّة لهم وللمواشي بعد أن هدم الجيش المباني التي كانوا يستخدمونها. ومن جهة أخرى، رفضت الإدارة المدنيّة تجهيز خارطة هيكليّة للقرية تُمكّن السكان من تشييد بيوتهم بشكل قانونيّ والارتباط بشبكتي المياه والكهرباء، وقد رُفضت طلبات قدّمها السكان للحصول على رخص بناء. وقد اضطرّ سكان خربة سوسيا، مُكرهين، لتشييد بيوت عشوائية وخيمًا سكنيّة، لتقوم الإدارة المدنية بإصدار أوامر هدم للمباني الجديدة التي شُيدت، حيث ادّعت أنّ قرار المحكمة المؤقت لا يسري عليها. في حزيران 2007 شطبت المحكمة "العليا" الالتماس، من دون البتّ فيه. وقد واصلت الإدارة المدنيّة إصدار أوامر هدم لعشرات المباني في خربة سوسيا. وفي مرّ السنين، قدّم السكان التماسات إضافيّة في محاولة لمنع عمليّات الهدم والسماح بتخطيط القرية، إلاّ أنّ القضاة رفضوا الأمر بمنع هدم المباني. في العام 2011 هدمت الإدارة المدنية 10 مبان سكنية في القرية، ستة مبان استخدمت حاجات معيشية واربعة ابار ماء. هدم خيمة سكنية وبركس في قرية خربة سوسيا. تصوير: نصر النواجعة. بتسيلم. 24.11.11. منع محاولات تخطيط القرية يعيش في خربة سوسيا اليوم قرابة 250 شخصًا دائمين ونحو مئة آخرين يمكثون فيها بشكل موسميّ لكسب أرزاقهم. وفي نهاية عام 2012 قدّمت منظمة "شومريه مشباط"- حاخامات من أجل حقوق الإنسان، إلى الإدارة المدنية، وباسم سكان القرية، خارطة هيكليّة للقرية. وفي كانون الثاني 2013 أعلمت الدولة المحكمة العليا بأنّ الإدارة المدنية تنظر في هذا المخطط، وحتى اتخاذ قرار بشأنه، لن تُنفذ أوامر الهدم في المكان. في تشرين الأول 2013، رفضت اللجنة الفرعيّة للتخطيط والترخيص التابعة لمجلس التخطيط الأعلى في الإدارة المدنيّة، الخارطة الهيكليّة المقترحة. عكست المسوّغات من وراء رفض الخارطة الهيكليّة تعاملاً غير موضوعيّ واستعلائيًا، إذ اُدّعي أنّ الانتشار الواسع للقرى الصغيرة في المنطقة، ومن بينها خربة سوسيا، لا يسمح لمدينة يطا بتوفير خدماتها للقرية مثل خدمات التربية والرفاه والدين والصحة كما يجب، إذ أنّ ذلك يُبهظ الخزينة العامة. ويأتي هذا في الوقت الذي تقوم فيه الجهة التخطيطيّة ذاتها بتنظيم وتسوية عشرات البؤر الاستيطانيّة الصغيرة المنتشرة في الضفة الغربيّة، وترفض تسوية مكانة القرية الفلسطينيّة. وقالت اللجنة الفرعيّة أيضًا إنّ الخارطة المقترحة ستُكرّس المبنى المجتمعيّ القائم على الانتماء العائليّ، الأمر الذي سيمسّ بفرص الفرد والمرأة الفلسطينيّة خصوصًا، التمتع بالأفضليّات الكامنة في الحياة المدنيّة، مثل أدوات الدفع الاجتماعيّ وفرص تكسّب الرزق والتعزيز الثقافيّ والتربويّ: "المبنى المدنيّ يربط الناس ويقرّب بينها ويضاعف الفرص، ويُثري الآفاق لكلّ واحد وواحدة في داخل عائلته وقبيلته وفي ضمن المجتمع الواسع أيضًا. ولذلك، نحن نرى أنّ الخارطة الهيكليّة الحاليّة تشكّل محاولة أخرى لمنع السكان الفقراء من إمكانيّة التقدّم وإمكانيّة الاختيار بين مصادر الرزق الجزئيّة أو مصادر أخرى، وتمنع المرأة الفلسطينيّة من الخروج من دائرة الفقر، وتمنع عنها فرص التعليم والعمل. وعلى هذا النسق فإنّ هذا المخطط يمنع الطفل الفلسطينيّ من رؤية كلّ الإمكانيّات المتاحة أمام أيّ إنسان آخر، إذ أنها تحدّد مصيره بالعيش في قرية صغيرة وبالية لا تملك الأدوات اللازمة للتطوّر. نحن نوصي برفض المخطط." وأوصت الإدارة المدنيّة أمام سكّان خربة سوسيا بالمبادرة لتخطيط بديل في مكان أقرب من مدينة يطا، بما أنّ القرية تقع على بعد كيلومترات عديدة من مدينة يطا، الواقعة في منطقة A. لكنّ ما أوصت به اللجنة على أرض الواقع، هو إبعاد سكّان خربة سوسيا عن منطقة C. في شباط 2014 التمست منظمة "شومريه مشباط" المحكمة العليا، بادّعاء أنّ قرار اللجنة الفرعيّة للتخطيط والترخيص رفض الخارطة الهيكليّة ليس معقولاً. وطلب الملتمسون من المحكمة إصدار أمر مؤقت يأمر السلطات بالامتناع عن هدم بيوت القرية، ما دام الالتماس لم يُحسم. في نهاية آذار 2015 قدّمت الدولة ردّها على الالتماس. وفي الردّ طلبت الدولة من المحكمة رفض الالتماس، مُدّعية أنّ لا مبرّر للتدخّل في القرار الصحيح الذي اتخذته مؤسّسات التخطيط برفض الالتماس. وقال ممثلو الدولة في ردّهم إنّ سكّان القرية يواصلون البناء من دون ترخيص. في مطلع أيار 2015، رفض القاضي سولبرج طلب الملتمسين بإصدار أمر مؤقت يمنع هدم بيوت القرية إلى حين البتّ في الالتماس، وذلك على خلفيّة مواصلة البناء من دون ترخيص في القرية منذ تقديم الالتماس، والتي قال عنها إنّها "ممارسة القانون بشكل شخصيّ". وقال القاضي إنّ سلطات المنطقة سجلت استعدادها لفحص إمكانية دفع إضبارة تخطيطيّة بديلة"، وقال إنّ تداول الالتماس سيتمّ بأسرع وقت. منذ ذلك الحين جرت محادثات بين سكّان سوسيا والدولة، استمرّت إلى أن أوقفتها الدولة. في جلسة محكمة العدل العليا، التي انعقدت في 1.8.2016، أبلغ وكلاء الدولة أنّ المحادثات أوقفت لأنّ وزير الأمن الجديد لم يبلور بعد موقفه من الموضوع. أمهلت المحكمة الدولة أسبوعين لتبلور موقفها. القاضيات نأور، براك إيرز وحيوت رفضن الإيعاز للدولة بعدم هدم بيوت سكّان سوسيا إلى حين بلورة الموقف، وبذلك تُرك السكّان رهن تعسّف السلطات الإسرائيلية وفي حالة من اللّايقين تحيط بمستقبلهم. منذ ذلك الحين طلبت الدولة مهَلاً إضافيّة لتقديم موقفها، وكانت المهلة الأخيرة في 1.10.2017. منذ أن قدّم سكّان خربة سوسيا التماسهم الأخير، في عام 2014، أبلغت الدولة أنّها تعتزم هدم عدد من المباني التي أقامها السكّان بعد تقديم الالتماس - ضمن ذلك كانوا قد رمّموا مباني تضرّرت جرّاء العاصفة، وأقاموا عيادة لخدمة سكّان القرية. في 1.2.2018 قرّرت رئيسة المحكمة العليا في شأن سبع مبانٍ، أنّ الدولة يمكنها هدمها فورًا، علمًا أنّه يسكنها 42 شخصًا، نصفهم أطفال، وبعضهم مرضى. طلبت المحكمة من الدولة أن تقدّم ردّها في شأن الخريطة الهيكلية المقدّمة من القرية، في موعد لا يتجاوز 7.5.2018. استيلاء المستوطنين على أراضي سوسيا في عامي 2001 و2002 أقام المستوطنون عدة بؤر استيطانية على جزء من أراضي السكان الفلسطينيّين. ومنذ تدمير خربة سوسيا عام 2001، يمنع مستوطنون من مستوطنة سوسيا وبؤرها الاستيطانية وصول سكان القرية المتواصل إلى قرابة 3,000 دونم من الأراضي المحيطة بالمستوطنة، وفيها قرابة 23 بئرًا للماء. ويجري هذا المنع عبر التهديدات وأعمال العنف، بما في ذلك إتلاف مساحات الرعي والحقول والأشجار وآبار المياه ومضايقة الرعاة. ويستغل مستوطنون من المستوطنات عدم قدرة السكان على الوصول إلى أراضيهم، حيث قاموا في صيف 2010 باستصلاح قرابة 400 دونم، تشكل قرابة 15% من مجمل الأراضي التي مُنع الفلسطينيون من الوصول إليها. مبنى في قرية خربة سوسيا على خلفية مستوطنة سوسيا. تصوير: يوآف جروس، بتسيلم. 17/11/2010. الملفات التي فُتحت في أعقاب شكاوى قدّمها فلسطينيون ضد المسّ بهم، أغلقت في غالب الحالات دون أن تفضي إلى شيء. وبناءً على متابعة منظمة "شومريه مشباط" منذ العام 2007، يتضح أنه من بين 126 شكوى قدمها سكان خربة سوسيا إلى شرطة الخليل ضد اعتداءات وتهديدات واقتحام الأراضي وإلحاق الضرر من جانب مستوطنين، أغلقت تقريبا جميع الملفات من دون تقديم أيّ شخص إلى المحاكمة؛ ولا يزال التحقيق مستمر بشأن ثلاث شكاوى. تابعت بتسيلم منذ عام 2004 وحتى نهاية عام 2012 التطوّرات الخاصة بـ 15 شكوى مقدّمة للشرطة بشأن عنف مستوطنين ضدّ سكان خربة سوسيا، شملت الاعتداءات الجسديّة وإضرام النار في الخيام السكنية والممتلكات، والتهديدات واقتلاع أشجار الزيتون وحصد المحاصيل واعتداءات أخرى على الممتلكات. من بين هذه الشكاوى الـ 15، أغلقت 12 ملفَ تحقيق بدعوى انعدام الأدلة أو أنها سُجلت ضدّ مجهول. في آب 2010 التمس 55 شخصًا من سكان القرية المحكمة العليا بواسطة منظمة "شومريه مشباط"، مطالبين بالسماح لهم بمنالية الوصول اليومي إلى أراضيهم، من ضمن سائر المطالب. ردًا على الالتماس، أعلمت الدولة المحكمة العليا في تشرين الأول 2010 بأنّ الجيش والإدارة المدنية ينويان إعداد خارطة مُلكية على الأراضي في المنطقة، وبناءً على ذلك ستصدر تعليمات لقوات الأمن الميدانية بشأن مواجهة الحاجة لتمكين الوصول إلى الأراضي الزراعية. حتى منتصف أيار 2013 لم يصدر الجيش إلا أربعة أوامر، سدّت أمام المستوطنين قطعة أرض تبلغ مساحتها 417 دونمًا، وهي قرابة 13% فقط من الأراضي التي مُنع السكان الفلسطينيون من الوصول إليها. وقد أخلت السلطات بشكل فعليّ اقتحامًا واحدًا من طرف المستوطنين، من قطعة أرض مساحتها قرابة 3.5 دونمات. وما يزال منع الدخول قائمًا ضدّ قرابة 87% من الأراضي. في مطلع شباط 2014 شطبت المحكمة العليا التماس السكان في مسألة منع الوصول إلى أراضيهم والاستيلاء عليها، بادّعاء أنّ الحديث يدور عن التماس شامل يدمج مسائل مختلفة تعود إلى عشر عائلات. وتطرّق القضاة في قرار الحكم إلى واجب القائد العسكريّ الحفاظ على الممتلكات الخاصّة ومنع اقتحام الأراضي، إلاّ أنهم لم يصدروا قرارًا في هذه المسألة، وأوصوا أمام كلّ عائلة بتقديم التماس منفصل خاصّ بها.

19 آب/أغسطس 2012

تجمع بدوي فلسطيني داخل منطقة يعتبرها الجيش منطقة نار. تصوير: كيرن منور، 14.3.11، Activestills.org.

غور الأردن

خلفية عن غور الأردن

تمتدّ منطقة الأغوار وشماليّ البحر الميت على مساحة 1.6 مليون دونم،وتشكّل ما يقارب 30% من مساحة الضفة الغربية. في العام 2016 سكن في المنطقة نحو 65.000 فلسطيني ونحو 11.000 مستوطن. ما يقارب 90% منها مصنّفة ضمن مناطق C - التي بقيت السيطرة التامّة عليها في يد إسرائيل (وتشكّل نحو 40% من إجمالي أراضي هذه المنطقة في الضفة). المساحة المتبقّية مصنّفة ضمن مناطق A أو مناطق B، وهي الأراضي التي تقع فيها بلدات يسكنها فلسطينيون بما فيها مدينة أريحا. هذه البلدات منفصلة جغرافيًّا ومعزولة عن بعضها البعض ومحاطة بمناطق مصنّفة ضمن مناطق C. تمتدّ هذه المنطقة الشاسعة على طول الضفة الغربية شرقيّ سلسلة الجبل. الوجود السكّاني فيها طفيف، أراضيها خصبة وتشمل مساحات مفتوحة كثيرة. هذه الميزات جعلت المنطقة احتياطي الأرض الأكبر لتطوير الضفة الغربية: يمكن هناك تطوير مراكز مدينيّةو زراعة متطوّرة لأجل التصدير ومرافق بنية تحتيّة في مجالَي الطاقة والصناعة. ولكنّ معظم أراضي منطقة الأغوار وشمال البحر الميت تستغلّها إسرائيل لاحتياجاتها هي إذ تمنع الفلسطينيين من استخدام نحو 85% من المساحة: هم يُمنعون من المكوث فيها ومن البناء ومن وضع بُنى تحتيّة ومن رعي الأغنام ومن فلاحة الأراضي الزراعية. تختلف المبرّرات القضائية لفرض هذا المنع وفي بعض الحالات وُضعت تعريفات مختلفة للمنطقة نفسها: نحو 50% من المساحة معرّف كـ"أراضي دولة" - أكثر من نصفها كان معرّفًا كذلك على يد الحكم الأردني قبل بداية الاحتلال؛ 46% من المساحة أعلنها الجيش مناطق عسكرية مغلقة - تشمل المسطّحات البلدية للمستوطنات و-11 منطقة إطلاق نار. نحو 20% منها أعلنت محميّات طبيعيّة وبقيّة المساحة معظمها مخصّص للمجالس الإقليمية خاصّة المستوطنات. تفرض إسرائيل على الفلسطينيين البقاء ضمن بلداتهم التي ضاقت عليهم وتمنع منعًا شبه تامّ البناء الفلسطيني في المناطق المصنّفة C. الإدارة المدنية ترفض على نحوٍ شامل تقريبًا إصدار تراخيص بناء للفلسطينيين مهما كان نوع البناء - منازل أو مبانٍ زراعية أو مبانٍ عامّة أو مرافق ومنشآت بُنى تحتيّة. عندما يبني الفلسطينيون دون ترخيص -لأنّه لا خيار آخر لديهم- تصدر الإدارة المدنية أوامر هدم للمباني بعضها تنفّذه فعليًّا. وحيث لا ينفَّذ أمر الهدم يُجبر السكّان على العيش في انعدام يقين دائم. وفق معطيات بتسيلم في الفترة ما بين 2006 وأيلول 2017 هدمت الإدارة المدنية 698 وحدة سكنيّة على الأقلّ في بلدات فلسطينية في منطقة الأغوار. المباني التي هُدمت كان يسكنها 2948 فلسطينيًّا بينهم على الأقلّ 1334 قاصرين. 783 من الفلسطينيين الذين هُدمت منازلهم (آوَتْ 386 قاصرًا) ألمّت بهم محنة هدم منزلهم مرّتين على الأقلّ. إضافة إلى ذلك فإنه منذ بداية 2012 وحتى نهاية أيلول 2017 هدمت الإدارة المدنيّة على الأقلّ 806 مبانٍ لغير أغراض السكن من ضمنها مبانٍ زراعيّة. منع البناء والتطوير الفلسطيني في منطقة الأغوار يمسّ على وجه الخصوص بنحو 10.000 فلسطينيّ يسكنون في أكثر من 50 تجمّعٍ سكّانيّ (مضارب) في مناطق C حيث تسعى إسرائيل بشتّى الطرق لترحيلهم عن منازلهم وأراضيهم. تمنع السلطات هذه التجمّعات من أيّة إمكانيّة للبناء القانوني وفق احتياجاتها وترفض ربطها بشبكتَي الماء والكهرباء. يعتمد سكّان التجمّعات على مياه الأمطار القليلة التي تهبط هناك ويستخدمونها بعد تجميعها في آبار؛ وعلى مياه تُنقل في صهاريج يشترونها من مقاولين في السوق الخاصّ. الأسعار التي يدفعها سكّان هذه التجمّعات لقاء المياه المنقولة في الصهاريج أعلى بمئات الأضعاف من سعر المياه المزوّدة عبر الأنابيب وفي أحيان كثيرة تكون مياه الصهاريج غير صالحة للشرب نظرًا إلى الصيانة الصحّية المتدنّية للصهاريج التي تُنقل فيها المياه. معدّل استخدام المياه اليوميّ للفرد الواحد من سكّان هذه التجمّعات لا يتعدّى 20 لترًا. في السنوات الأخيرة وخاصّة منذ بداية عام 2013 يأمر الجيش من حين لحين سكّان التجمّعات الواقعة على أراضً أعلنتها إسرائيل "مناطق إطلاق نار" بإخلائها مؤقتًا، بحجّة أنّ الجيش يحتاج إجراء تدريبات عسكريّة هناك. تمتدّ هذه المناطق على 45% من مساحة منطقة الأغوار (786 ألف دونم). في الأوامر التي يتسلّمها السكّان يُطلب منهم مغادرة مناطق سكناهم لفترة تتراوح بين ساعات معدودة ويومين وتشمل تحذيرًا بأنّهم إذا لم يفعلوا ذلك سيجري إخلاؤهم بالقوّة ومصادرة مواشيهم وتغريمهم تكاليف الإخلاء. في بعض الحالات التي وثّقتها بتسيلم أفاد السكّان أنّه جرى تبليغهم بضرورة الإخلاء شفهيًّا فقط. منذ كانون الثاني 2013 إلى أيلول 2017 فرض الجيش الإخلاء على مختلف التجمّعات في منطقة الأغوار 140 مرّة. بعض التجمّعات جرى إخلاؤها مرّتين وأحيانًا بفارق أسبوع واحد. تعرقل الإخلاءات المتكرّرة حياة السكّان على نحوٍ فادح وتمسّ بمصادر رزقهم وتثير مشاعر الخوف واللّايقين وتنطوي على مشقّة كبيرة. في كلّ إخلاء كهذا تُضطرّ الأسَر أن تترك وراءها منازلها وبعضها تترك ممتلكاتها حيث تتزوّد ببعض الفراش والأغطية وقليل من الطعام لها ولمواشيها ثمّ تُخلي المكان مع أطفالها ومواشيها باحثة عن مأوًى يقيها ظروف الطقس خاصّة وأنّ بعض الإخلاءات يجري في فصل الشتاء في ظروف جوّية قاسية. أحيانًا تلحق التدريبات أضرارًا بالحقول التي يفلحها سكّان التجمّعات. علاوة على ذلك تتجبّر السلطات المختلفة - وبضمنها الإدارة المدنية والجيش وسلطة حماية الطبيعة - في سكّان التجمّعات والمزارعين إذ تصادر مرارًا وتكرارًا وسائل معيشتهم الأساسية والتي لا غنى لهم عنها. ضمن ذلك صادرت السلطات الصهاريج التي تزوّدهم بالمياه والأنابيب التي ينقلون عبرها مياه الينابيع والتراكتورات والمعدّات الزراعيّة أخرى، وألواحًا شمسيّة تزوّدهم بحدّ أدنى من الكهرباء. تسعى إسرائيل إلى إلغاء الوجود الفلسطيني في منطقة الأغوار ومنع أيّ تطوير فلسطيني في المنطقة: إنّها تمنع الفلسطينيين من استخدام معظم مساحة الأغوار بذرائع مختلفة وتقيّد وصولهم إلى مصادر المياه الوافرة في المنطقة وتمنع السكّان الفلسطينيين هناك من بناء منازل لأنفسهم وتوسيع وتطوير بلداتهم. إضافة إلى ذلك تبذل السلطات الإسرائيلية جهدًا دؤوبًا في خلق واقع معيشيّ لا يطاق لدفع سكّان التجمّعات الفلسطينية إلى مغادرة منازلهم وأراضيهم. الغاية من هذه السياسة تعميق السيطرة الإسرائيلية في منطقة الأغوار وضمّها إلى إسرائيل بحُكم الأمر الواقع (دي فاكتو) وضمن ذلك استغلال موارد المنطقة وتقليص الوجود الفلسطيني إلى الحدّ الأدنى. ترحيل السكّان عن منازلهم وأراضيهم هو بمثابة نقل قسريّ لسكّان محميّين ويعدّ جريمة حرب - سواء استخدمت إسرائيل في ذلك العنف المباشر أو غير المباشر، الفيزيائيّ أو الإداري. لا فرق بين ترحيل السكّان عن منازلهم وأراضيهم بالقوّة ورحيلهم عنها نتيجة ظروف معيشيّة لا طاقة لهم على تحمّلها وقد فرضتها عليهم السلطات أصلاً بهدف دفعهم إلى المغادرة - الجوهر في الحالتين واحد. جميع المتورّطين في هذه الجريمة - بمن فيهم رئيس الحكومة ووزير الأمن والقضاة الذين يصادقون على الترحيل وقائد المنطقة الذي يوقّع على الأوامر - يتحمّلون شخصيًّا مسؤولية تنفيذها.

11 تشرين الثاني/نوفمبر 2017