المستوطنات

في أعقاب التماس منظمة "يش دين" سوف تتوقف إسرائيل عن أعمال الحفر الممنوعة في الكسارات في الضفة الغربية لصالحها

يتضح من التقرير الذي نشرته صحيفة "هآرتس" أن إسرائيل ستوقف عمل الكسارات الإسرائيلية في الضفة الغربية التي تعمل اليوم من خلال انتهاك الحظر الذي يفرضه القانون الدولي على استغلال الموارد الطبيعية في المنطقة المحتلة. وقد تم اتخاذ القرار في أعقاب الالتماس الذي تقدمت به لمحكمة العدل العليا منظمة "يش دين" في شهر آذار 2009 وطالبت بوقف عمل هذه الكسارات.

الكسارات في
كسارات "نطوف-شفير". تصوير: درور اتكس. 3.11.08.

في أنحاء منطقة C في الضفة الغربية تعمل اليوم حوالي عشر كسارات إسرائيلية تقع على مقربة من تجمعات بناء ومناطق سكنية مطلوبة وسط إسرائيل. ويتم في هذه الكسارات كل عام حفر حوالي 12 مليون طن من الحجر، الحصى والدولوميت. 75% من المواد المستخرجة يتم تحويلها للصناعات البنائية في إسرائيل فيما يستعمل الباقي للبناء في المستوطنات في الضفة وأعمال البنى التحتية التي تقوم بها إسرائيل في الضفة. وقد بدأت هذه الكسارات بالعمل بعد احتلال الضفة في العام 1967. طبقا للتقديرات، فإنها توفر اليوم حوالي 20% إلى 30% من احتياجات البناء في إسرائيل. وتعمل أيضا في مناطق C بالضفة كسارات فلسطينية ويتم تحويل معظم إنتاجها لصالح صناعات البناء في إسرائيل.

في العام 2008 أعدت إسرائيل خرائط تفصيلية قطرية للحفر والاستخراج من الكسارات وطبقا لها ستستمر هذه الكسارات بتوفير احتياجات البناء لإسرائيل على امتداد العقود الثلاثة التالية. طبقا لما نشرته صحيفة "هآرتس" فقد تقرر تعديل هذه الخرائط الهيكلية بسبب صعوبة توفير مبرر قانوني لعمل الكسارات الإسرائيلية لصالح إسرائيل، ولهذا فسوف تعتمد الدولة مستقبلا على "مصادر مستقلة فقط".

لغاية اليوم لم تنظم إسرائيل الأعمال في الكسارات الإسرائيلية في الضفة. وتعمل هذه الكسارات بدون رقابة بيئية، بدون برامج مستقبلية أو تخصيص موارد لترميم المنظر في ختام الحفر، وبدون أن تخصص جزء من أرباحها الضخمة لصالح السكان الفلسطينيين في الضفة. ويتضح من الفحص الذي قام به مراقب الدولة أن المردودات الخاصة بالكسارات التي كان من المفترض لها أن تصل إلى الإدارة المدنية لصالح السكان الفلسطينيين تم نقلها عمليا لصالح خزينة الدولة.

في شهر آذار 2009 تقدمت منظمة "يش دين" بالتماس إلى محكمة العدل العليا وطالبت بوقف "الاستغلال الاقتصادي الفظ للمنطقة المحتلة لصالح الأغراض الاقتصادية الحصرية" لإسرائيل. وجاء في الالتماس أن استغلال الموارد الطبيعية للمنطقة يشكل انتهاكا لقوانين الاحتلال (انظمة لاهاي) وكذلك قوانين حقوق الإنسان (مواثيق الأمم المتحدة بخصوص الحقوق المدنية والسياسية وبخصوص الحقوق الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية) وقد يعتبر في بعض الأحيان بمثابة نهب. ويقتبس الالتماس أيضا حكما سابقا صادرا عن محكمة العدل العليا الذي يحدد أن القائد العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية لا يحق له أن يأخذ بعين الاعتبار المصالح القومية، الاقتصادية والاجتماعية الخاصة بإسرائيل، إذا لم يكن لها انعكاس على المصلحة الأمنية في المنطقة أو على مصلحة السكان المحليين وأن المنطقة المحتلة "ليست حقلا مفتوحا للاستغلال الاقتصادي أو غيره".

وقد امتنعت محكمة العدل العليا عن الاستجابة لطلب "يش دين" بإصدار أمر مؤقت لتجميد جميع عمليات الحفر في الكسارات الإسرائيلية في الضفة وإصدار الأوامر بمنع إصدار امتيازات حفر جديدة، واكتفت في هذه المرحلة بطلب الرد من الأطراف على الالتماس. في أعقاب تقديم الالتماس أعلنت الدولة في أيار 2009 أنها ستجمد الوضع القائم، بما في ذلك التخطيط لإقامة كسارات إسرائيلية جديدة، وأنه بالإضافة إلى ذلك ستمتنع الإدارة المدنية عن تخصيص أراض إضافية لتوسيع الكسارات الموجودة. ويتضح من جواب الدولة أن موضوع الكسارات الإسرائيلية في مناطق C سيتم ترتيبه في اطار المفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية.

ويتمحور التماس "يش دين" في عمل الكسارات الإسرائيلية في الضفة الغربية، لكن يوجد لأي حسم في هذا الالتماس تبعات على مناحي إضافية تتعلق باستغلال إسرائيل للموارد الطبيعية في الضفة. هذا الاستغلال يتضمن من بين ما يتضمنه تخصيص حوالي 42.8% من مساحات الضفة لسيطرة المستوطنات، عمليات التنقيب عن الماء التي تقوم بها إسرائيل في الضفة واستغلال بعض المساحات في الضفة لطمر النفايات الإسرائيلية.

بتسيلم تدعو إسرائيل إلى التوقف عن استغلال الموارد في الضفة الغربية لصالحها وتخصيصها لصالح السكان الفلسطينيين.

مواد مقترحة

بركة طبيعية في وادي قانا. تصوير:  بتسيلم، 27/3/2014.

المستوطنات

وادي قانا: من وادٍ زراعيّ فلسطينيّ إلى متنزّه سياحيّ للمستوطنات

قطف البرتقال في وادي قانا. تصوبر: إياد يُعتبر وادي قانا أحد تفرّعات نهر العوجا (هَيَرون)، وفي قسمه المركزيّ الواقع في منطقة C ثمة ينابيع وجداول عدة تتفرّع عنه. وتقع أراضيه بملكيّة فلسطينيّة، غالبيتهم من قرية دير إيستا المجاروة، وهم يستخدمونها للزراعة والرعي. منذ أجيال عديدة، وحتى سنوات التسعين، درجت عدّة عائلات من القرية على السكن في الوادي، وكانوا يعتمدون على الجداول للشر وللريّ الزراعيّ لأشجار الحمضيّات والخضروات. وما يزال سكان دير إيستا والقرى المجاورة يدرجون لليوم على الاستجمام عند ضفاف الوادي والتمتع بمياهه. بين الأعوام 1978 و1986 أقيمت عدّة مستوطنات على التلال المُطّلة على ضفتيِّ الوادي: عمانويل وكرنيه شومرون من الشمال، ويكير ونوفيم من الجنوب. ومع الوقت توسّعت مستوطنة كرنيه شومرون لتمتدّ على عدّة تلال مجاورة. بين الأعوام 1998 و2000 أقيمت إلى جانب هذه المستوطنات بؤر استيطانيّة وهي ألوني شيلو وإل متان وحفات يئير. وقد ضخّت المستوطنات والبؤر الاستيطانيّة مياه مجاريها إلى الوادي وأضرّت بجداوله وينابيعه وبمصادر المياه التي يعتمد عليها المزارعون. منازل رعاة في وادي قانا. منازل مستوطنة ياكير في الخلفية. تصوير: جميل دويكات. وفي أعقاب تلويه مياه الشرب، اضطرّت العائلات الفلسطينيّة الخمسين التي سكنت في المكان وقتها واستصلحته لترك الوادي في سنوات التسعين، والانتقال إلى دير إيستا. وتضرّرت مياه الجداول أيضًا بسبب حفريات المياه التي تقوم بها إسرائيل في المنطقة منذ سنوات السبعين: فقد هزلت كميّتها وبالتالي خفّ تيار المياه في الوادي. وأدّت تلويث المياه وشحّها إلى زيادة صعوبة مواصلة الزراعة المرويّة في المكان. وهكذا، ترك مزارعون كثر المحاصيل التي تستوجب الريّ وبدؤوا بغرس أشجار الزيتون بالأساس، وهي أشجار لا تكاد تحتاج للريّ، وبعض أشجار الفاكهة المتساقطة. اضطرّ المزارعون الفلسطينيّون للتنازل عن الزراعة المرويّة والانتقال لغرس أشجار الزيتون التي تكاد لا تحتاج للرّيّ. في عام 1983 أعلنت سلطة الطبيعة والحدائق عن تأسيس محميّة طبيعيّة في المحميّات والحدائق التابعة للإدارة المدنيّة، مساحتها نحو 14,000 دونم وذلك في قناة وادي قادي والمنحدرات التي فوقه، وهي محميّة ناحل كَنيه. وحتى السنوات الأخيرة لم يؤثّر هذا الإعلان على أصحاب الأراضي الفلسطينيّة، إذ واصلوا استخدام مياه الينابيع واستصلاح أراضيهم في الوادي والاستجمام فيها. ورغم هذا الإعلان واصلت المستوطنات ضخّ مياه مجاريها إلى الوادي حتى عام 2006، عندها تمّ ربط المستوطنات المعترف بها بشبكة المجاري وتقلّص التلويث. لكنّ مجاري بؤرتي ألوني شيلو وإل متان ما تزال تُضخّ مباشرة إلى المحميّة الطبيعيّة، فيما تؤدّي انسدادات متكررة في جهاز المجاري التابع لمستوطنتي نوفيم ويكير إلى تلويث مياه الوادي من مرة إلى أخرى. تدفقات مياه الصرف الصحي المستوطنات في وادي قانا. تصوير: بلال منصور ويؤدي مسار جدار الفصل المُخطّط في المنطقة إلى فصل وادي قانا عن أصحاب الأراضي في دير إيستا، ليتركه في الجانب "الإسرائيليّ" في ما يشبه المُسوّرة. ويأتي هذا على شاكلة الكثير من المُسوّرات الأخرى التي يسببها مسار الجدار، بغية ربط المستوطنات بالمنطقة التابعة لإسرائيل وضمّ المزيد من المناطق إليها، وهي المناطق التي ستُغلق أمام الفلسطينيّين. وعلى شاكلة ما حدث مع المُسوّرات الأخرى التي من المخطط أن تدخل في عمق المنطقة الفلسطينيّة، فإنّ الجدار في وادي قانا لم يُشيّد بعد. مُخطّطات لتطوير وادي قانا كموقع سياحيّ في عام 2006 أقيمت مديريّة ترميم وادي قانا، التي تهدف لترميم الوادي وتطوير السياحة فيه. وتعمل في المديريّة أربع جهات: مستوطنة كرنيه شومرون، ووزارة جودة البيئة، وسلطة الطبيعة والحدائق والإدارة المدنيّة. وقالت جهات في مجلس المستوطنة للإعلام إنّ إحدى الغايات من مخطط الترميم تكمن في تعزيز الوجود اليهوديّ في الموقع، ردًّا على "جهات فلسطينيّة تحاول السيطرة على الوادي". في العام ذاته بدأ مجلس كرنيه شومرون بإجراء مسيرة سنويّة كلّ ربيع. وقد أعلن رئيس مجلس كرنيه شومرون وقتها، هرتسل بن أري، أثناء المسيرة التي جرت عام 2010، أنّ المسيرة "جزء من مخططنا الشامل لتحويل وادي قانا إلى الساحة الأماميّة لكرنيه شومرون". وقد حظر الجيش دخول الفلسطينيّين في أثناء المسيرات –منهم أصحاب أراضٍ- إلى وادي قانا.. خارطة المنطقة. بالاخضر: وادي قانا بادرت مديريّة ترميم الوادي عام 2010 إلى "مشروع متنزّه قانا"، الذي يُدار بشراكة مجالس المستوطنات في المنطقة وممثلي سلطة الطبيعة والحدائق والصندوق الدائم لإسرائيل، بتكلفة تُقدّر بثمانية حتى تسعة ملايين شيكل. بدأ تطبيق المشروع في السنوات الأخيرة، وهو يشمل إقامة مِطلاّت في المستوطنات القائمة فوق الوادي، و.شقّ طريق للدراجات الهوائيّة من بؤرة ألوني شيلو الاستيطانيّة وحتى قلب المحميّة الطبيعيّة، الذي أنجز في تشرين الأول 2013 بمساعدة ميزانيّة من وزارة السياحة، وإقامة كورنيش محيط بالمنطقة، إلى جانب وضع اليافطات والدعاية وتنظيم مسارات مع علامات تابعة لسلطة الطبيعة والحدائق تبلور المشروع ليصبح مخطّطًا هيكليًّا، وفي تشرين الثاني 2013 قدّم مجلس كرنيه شومرون "مخطط وادي قانا" (ناحَل كانيه) إلى مكتب التخطيط في مجلس الشومرون الإقليميّ. ويسعى المخطط لتحويل وادي قانا إلى مورد يوفر النشاطات السياحيّة المُدرّة للربح الماديّ للمستوطنات من حوله، والتي ستستقطب إليها سكانًا جددًا. ويشمل المخطط شقّ الشوارع بين المستوطنات ومنها إلى الوادي، وفتح سُبُل طبيعيّة وطرقا للدراجات الهوائيّة ومسارات للسير تصل بين الوادي وبين المستوطنات القائمة فوقه، إلى جانب بناء المواقع المُشرفة ومواقف السيّارات ومواقع التنزّه. يهدف هذا المخطط لخدمة المتنزّهين الإسرائيليّين؛ وهو يتجاهل تمامًا حقيقة أنّ أراضي وادي قانا تتبع لملكيّة فلسطينيّة خصوصيّة، يقوم أصحابها باستصلاحها وتشكّل موقع استجمام لصالح الجمهور الفلسطينيّ. ويؤدّي مخطط الشوارع في المنطقة إلى إلغاء الشارع الفلسطينيّ المؤدّي حاليًّا إلى الوادي، ويقترح بدلا منه طريقًا بديلة جديدة. إلاّ أنّ هذه الطريق تمرّ فوق أراضٍ فلسطينيّة خصوصيّة، في داخل كروم زيتون مكتظّة، وعليه فإنّها ستؤدّي إلى مسّ آخر بالمزارعين الفلسطينيّين، وهي تخصص جزءًا يسيرًا فقط من الوادي يكون مفتوحًا أمامهم. وفي حال اكتمال بناء جدار الفصل في المنطقة، فإنّ هذه الطريق ستُسدّ هي الأخرى. بستان في وادي قانا. تصوير: بلال منصور إبعاد الفلسطينيّين عن وادي قانا تسود قرية دير إيستا، على غرار الكثير من القرى الفلسطينيّة الأخرى، نسب بطالة عالية، وحتى من يعمل فإنّه يستصعب كسب رزق عائلته، بسبب مستويات الأجور المتدنّية. تقع غالبيّة أراضي القرية في منطقة C، وتمنع إسرائيل استغلالها لغايات صناعيّة أو تجاريّة. ولذلك فإنّ استصلاح الأراضي في المنطقة، ومن بينها أراضي وادي قانا، يشكّل أحد مصادر الدخل الشحيحة المتاحة أمام السكّان. وقد بدأ إبعاد المزارعين الفلسطينيّين عن وادي قانا مع تلويث الوادي بمجاري المستوطنات التي أقيمت فوقه؛ وبعد ترميم الوادي يستمرّ هذا الأمر عبر تطوير المكان كموقع سياحيّ إسرائيليّ. وفي أعقاب هذا التطوير، بدأت سلطة الطبيعة والحدائق والإدارة المدنيّة بفرض قيود جسيمة على النشاط الزراعيّ الفلسطينيّ في المكان، بادّعاء أنّ الأمر يشكّل مسًّا بالقيم الطبيعيّة في المحميّة. في عام 2010 جرف مراقبو سلطة المحميّات الطبيعيّة وأتلفوا قنوات الريّ التي حفرها السكان من أجل حرف مسار المياه من الوادي إلى أراضيهم، وبدءً من العام 2011 فإنّهم يمنعون المزارعين من غرس الأشجار في أراضيهم في الوادي بواسطة مصادرة الأشتال وقلع الأشجار. وحتى اليوم اُقتلع نحو ألف شجرة، وصدرت أوامر اقتلاع ضدّ آلاف الأشجار الأخرى. في عام 2012 التمس عدد من أصحاب الأراضي المحكمة العليا ضدّ الإدارة المدنيّة وسلطة الطبيعة والحدائق، في أعقاب أوامر أصدرتها الجهتان المذكورتان من أجل اقتلاع نحو 1,500 شجرة زيتون. وادّعت السلطتان أنّ الأوامر صدرت ضدّ غرس جديد للأشجار تمّ كجزء من "نزعة واضحة لاستصلاح المناطق الطبيعيّة" في المحميّة، من خلال المسّ بالناتات الطبيعيّة، وشكل المنطقة وطابعها النباتيّ. وبعد إجراء مفاوضات توصّل ممثلو الملتمسين وممثلو الدولة إلى اتفاق يقضي بوضع علامات على الأشجاء المُعدّة للاقتلاع سوية. وفي أيار 2013 منحت المحكمة سريانَ قرار حكم على هذه التسوية. وقال القضاء أثناء تلاوة القرار إنّ الأشجار التي ستُقتلع هي التي غُرست في السنتيْن اللتين سبقتا صدور الأوامر، أي بعد نيسان 2010. لكنّ أصحاب الأراضي يقولون إنّ مراقبي سلطة الطبيعة والحدائق وضعوا علامات خلال السنة على أشجار غُرست قبل هذا الموعد، أيضًا. بركة طبيعية في وادي قانا. تصوير: بتسيلم، 27/3/2014. تجاهل السلطات للمسّ الذي يلحقه المستوطنون بالمحميّة خلافًا لتدابير فرض القانون المتطرفة التي تُمارس ضدّ المزارعين الفلسطينيّين، فإنّ السلطات تتجاهل النشاطات غير القانونيّة التي يقوم بها المستوطنون في نطاق المحميّة، والتي تشمل البناء المكثّف وشقّ الطرق وضخّ المجاري إلى الوادي. في ردّها على الالتماس الذي قُدّم للعليا ضدّ اقتلاع الأشجار، ادّعت سلطة الطبيعة والحدائق أنها "تفحص كلّ مسّ في نطاق المحميّة الطبيعيّة، من دون علاقة بهوية مقترفيه، وتوصي بوقف المسّ واجتثاث الظاهرة ما دامت مستمرّة". ولكنّ السلطة تتجاهل على أرض الواقع، أو أنها تماطل على الأقل، كلّ ما يخصّ هذه المخالفات: نحو 100 بيت من بيوت مستوطنات يكير ونوفيم وكرنيه شومرون شُيّدت في نطاق المحميّة. وفي عام 2014 جرى إيداع مخططات هيكليّة لتوسيع مستوطنة يكير وتبييض بؤرة إل ماتان الاستيطانيّة، تشمل تغيير أهداف مناطق مُعرّفة اليوم كمحميّة طبيعيّة، إلى مناطق سكنيّة. جرى شقّ الطريق الموصلة إلى بؤرة ألوني شيلو الاستيطانيّة في داخل المحميّة. في آب 2014 شُقّت طريق جديدة في المحميّة، من ألوني شيلو باتجاه عمانويل. وقد جرت هذه الأعمال من دون ترخيص وألحق الأضرار بالمحميّة، وجرى إيقافها في أعقاب شكاوى الفلسطينيّين من سكان القرى المجاورة. وقد مرّت أكثر من نصف سنة من وقتها، وما تزال سلطة الطبيعة والحدائق تحقّق في المسألة. كما أسلفنا، جرى ضخّ مجاري المستوطنات الواقعة فوق وادي قانان، إلى الوادي لمدّة تقارب عشرين عامًا، بلا حسيب أو رقيب. وحتى اليوم، يستمر تلويث الوادي بمياه المجاري الآتية من البؤر الاستيطانيّة وجراء الأعطاب التي تحدث في جهاز المجاري في المستوطنات. بستان في وادي قانا. تصوير: بلال منصور الطبيعة في وادي قانا خاصّة ومثيرة للانطباع فعلاً ومن الجدير الحفاظ عليها، إلاّ أنّ الزراعة الفلسطينيّة التقليديّة في الموقع هي جزء لا يتجزّأ منها. زد على ذلك أنّ مسلكيات السلطات الإسرائيليّة التي أدّت إلى شحّ انسياب مياه الوادي بسبب الحفريات في المنطقة وسمحت بتلويثها عبر مياه المجاري القادمة من المستوطنات، هي التي اضطرّت المزارعين الفلسطينيّين لتغيير طابع محاصيلهم في الوادي من زراعة مرويّة إلى أشجار الزيتون. يجب على كلّ محاولة جديّة لترميم الوادي أن تشمل ترميم تيار المياه فيه والتوقف عن ضخّ المجاري إليه بما سيسمح للمزارعين بكسب رزقهم ثانية من الزراعة المرويّة في الوادي، كما درجوا على ذلك في السابق. وحتى لو كان من المناسب الإعلان عن الموقع كمحميّة طبيعيّة، فإنّ مثل هذه المحميّة يجب أن تخدم أولاً وأخيرًا الجمهور الفلسطينيّ الذي تتبع له. ولكن في واقع الأمر، فإنّ الإعلان عن وادي قانا، أسوة بأماكن أخرى في منطقة C، كمحميّة طبيعيّة، يهدف بشكل كبير لإبعاد وإقصاء الفلسطينيّين عن أراضيهم. وقد أُعلن عن مئات آلاف الدونمات في منطقة C –14% من المنطقة- كمحميات طبيعيّة أو كحدائق وطنيّة، وتقوم السطات الإٍسرائيليّة في كل هذه المناطق بمنع الفلسطنيّين من البناء وتطوير المنطقة وتقيّد استخداماتها، كما جرى في أماكن أخرى، وذلك بواسطة الإعلان عن مناطق التدريبات العسكريّة أو الإعلان عن أراضي دولة. إنّ إبعاد وإقصاء المزارعين الفلسطينيّين عن أراضيهم في وادي قانا ينتهك حقّهم بالملكيّة ومصادر أرزاقهم. وفي ظاهر الأمر يجري هذا باسم الدفاع عن قيم الطبيعة في الموقع، إلاّ أنّ أحدًا لا يمنع المستوطنات من الدوس على هذه القيم. زد على ذلك أنّ مخطط تحويل الوادي إلى متنزّه مليء بالسبل الطبيعية والطرق والمتنزّهين، يشير إلى النيّة الحقيقيّة التي تضمرها سلطة الطبيعة والحدائق والإدارة المدنيّة، وهي تعميق السيطرة الإسرائيليّة على الوادي وتخصيصه للمستوطنات.

23 نيسان/أبريل 2015

أبارتهايد

الآن يمكننا تسميته أبارتهايد: يسعى النظام الإسرائيليّ لتحقيق وإدامة تفوّق يهوديّ في المساحة الممتدّة من النهر إلى البحر

تنشر بتسيلم صباحَ هذا اليوم ورقة موقف ترفض النظرة السّائدة إلى إسرائيل كدولة ديمقراطيّة تدير في الوقت نفسه نظام احتلال مؤقت. ترى الورقة أنّ كلّ المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل - داخل الخطّ الأخضر وفي الضفة الغربيّة وشرقيّ القدس وقطاع غزّة - يقوم نظام واحد يعمل وفق مبدأ ناظم واحد: تحقيق وإدامة تفوّق جماعة من البشر (اليهود) على جماعة أخرى (الفلسطينيّين). إنه نظام فصل عنصري - أبارتهايد. في الحالة الإسرائيليّة لم ينشأ هذا النظام بين ليلة وضُحاها وإنّما تمأسس واتّضحت معالمه بمرور الزمن. تراكُم هذه الخطوات بمرور السّنين وانعكاسها على نطاق واسع في القوانين والممارسة والدّعم الجماهيريّ والقضائيّ الذي حظيت به - كلّها تؤسّس للاستنتاج المؤلم أنّ هذا النظام قد تجاوز السّقف الذي يقتضي تعريفه كنظام أبارتهايد. وتوضح ورقة الموقف أنّ الوسيلة الأساسيّة التي تسخّرها إسرائيل لتحقيق مبدأ التفوّق اليهوديّ هي هندسة الحيّز جغرافيّاً وديمغرافيّاً وسياسيّاً: يدير اليهود حياتهم في حيّز واحد متواصل يتمتّعون فيه بالحقوق الكاملة وتقرير المصير. وعلى عكس ذلك، يعيش الفلسطينيّون في حيّز مشظّى إلى معازل مختلفة وإسرائيل تقرّر أيّ الحقوق تمنح للفلسطينيّين في كلّ من هذه المعازل وأيّها تسلب - وفي جميعها هي حقوق منقوصة مقارنة بالحقوق التي يتمتّع بها اليهود. يسعى النظام الإسرائيليّ إلى تحقيق هذا المبدأ الناظم في أربعة مجالات مركزيّة: الأرض – تطبّق إسرائيل سياسة تهويد المكان التي تقوم على تصوّر يعتبر الأرض مورداً مخصّصاً لخدمة احتياجات الجمهور اليهوديّ بشكل شبه حصريّ. منذ العام 1948 وضعت الدولة يدها على نحو 90% من الأراضي الواقعة داخل "الخطّ الأخضر" والتي بُنيت فيها مئات البلدات للسكّان اليهود. ومنذ العام 1967 تطبّق إسرائيل السياسة نفسها في الضفة الغربيّة حيث بُنيت على أراضي الفلسطينيّين أكثر من 280 مستوطنة يسكنها اليوم 600,000 من اليهود الإسرائيليّين. في كافّة المنطقة الممتدّة من النهر إلى البحر لم تُقم الدّولة ولو بلدة واحدة للسكّان الفلسطينيّين (سوى عدّة قرىً وبلدات أقامتها إسرائيل لتركيز السكّان البدو بعد تجريدهم من معظم حقوق الملكيّة التي كانوا يحوزونها) بل هي تعمل أساساً على منع تطوير البلدات الفلسطينيّة القائمة وهدم المنازل التي بُنيت فيها. التجنيس والهجرة – جميع يهود العالم وأولادهم وأحفادهم - وكذلك أزواجهم وزوجاتهم يحقّ لهم الحصول على الجنسية الإسرائيليّة، بينما لا يمكن لأيّ فلسطينيّ الهجرة إلى المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل حتّى إذا كان هو نفسه أو جدّه أو جدّته قد وُلدوا في هذه الأراضي أو أقاموا فيها. كذلك تصعّب إسرائيل على الفلسطينيّين سكّان المعازل/المناطق الواقعة تحت سيطرتها الحصول على مكانة دائمة في منطقة أخرى بل إنّها سنّت قانوناً يحظر بصريح العبارة منح مكانة دائمة ضمن أراضيها السياديّة للفلسطينيّين المتزوّجين من إسرائيليّين. حرّية الحركة والتنقّل – يتمتّع المواطنون الإسرائيليّون بحرّية الحركة والتنقّل بين مختلف المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل (باستثناء قطاع غزّة) ويمكنهم متى شاءوا مغادرة الدّولة والعودة إليها. أمّا الرّعايا الفلسطينيّين فينبغي أن يحصلوا على تصريح إسرائيليّ خاصّ لكي يتنقّلوا بين معازلهم (وأحياناً في داخل المعزل نفسه) وسفرهُم إلى خارج البلاد مشروط بموافقة إسرائيليّة. المشاركة السّياسيّة – يحقّ للفلسطينيّين مواطني إسرائيل المشاركة في انتخابات الكنيست تصويتاً وترشيحاً ولكن هناك مساعٍ يقودها مسؤولون سياسيّون لنزع الشرعيّة عن منتخبي الجمهور الفلسطينيّين. وفي المناطق المحتلّة هناك نحو خمسة ملايين من الرّعايا الفلسطينيّين - بضمنهم سكّان شرقيّ القدس - لا يشاركون في المنظومة السياسيّة التي تتحكّم بحياتهم وتقرّر مستقبلهم. إضافة إلى ذلك هُم محرومون من حقوق سياسيّة أخرى كحرّية التعبير والحق في التنظيم. إسرائيل هي من يملك كامل صلاحيّات البتّ في جميع نواحي الحياة هذه، وهي الجهة الوحيدة التي تقرّر وتدير في كلّ مكان بين النهر والبحر سِجِلّ السكّان ونظام الأراضي وقدرة الأشخاص على التنقّل والحركة والدّخول أو المغادرة وكذلك سِجِلّ الناخبين. تُظهر إسرائيل في السّنوات الأخيرة استعداداً للتصريح علناً بالتفوّق اليهوديّ كمبدأ يسترشد به النظام. هناك أمران يعكسان سيرورة إزالة الأقنعة هذه بغاية الوضوح: (1) سنّ "قانون أساس: إسرائيل - الدولة القوميّة للشعب اليهوديّ" الذي يصرّح علناً أنّ بين اليهود وغير اليهود فارق أساسيّ وشرعيّ في الدولة ويتيح التمييز الممأسَس في مجالات بناء البلدات والإسكان والأراضي والمواطنة واللّغة والثقافة؛ (2) التصريحات بخصوص ضمّ الضفة الغربيّة رسميّاً، أو أجزاء منها، وهي تدلّ على ما تضمره إسرائيل من نوايا بعيدة المدى وتقوّض مزاعم "الاحتلال المؤقت". تودّ منظمة بتسيلم التأكيد على أنّ الاحتلال نفسه لم ينته: الفلسطينيّون سكّان المناطق المحتلة لا يزالون تحت نظام عسكريّ في الضفة الغربيّة وتحت الحصار وسيطرة إسرائيل الفعّالة من الخارج في قطاع غزّة. إلّا أنّ مواصلة وصف إسرائيل بأنّها دولة ديمقراطيّة تحتلّ مؤقتاً ملايين الأشخاص في الطرف الآخر هو وصف لا يمتّ للواقع بصِلة إذ يتجاهل حقائق كثيرة: ينسى أنّ هذا الواقع مستمرّ منذ أكثر من خمسين عاماً؛ لا يأخذ بالحسبان مئات آلاف المستوطنين اليهود المقيمين شرقيّ "الخطّ الأخضر"؛ ويغضّ الطرْف عن الضمّ الرسميّ لشرقيّ القدس والضمّ الفعليّ لبقيّة أراضي الضفة الغربيّة. هذه الحقائق تؤدّي إلى الاستنتاج أنّه يوجد في الواقع نظام واحد يدير منطقة ما بين النهر والبحر، لا نظامان متوازيان؛ نظام واحد يسيطر على جميع الأشخاص المقيمين في المنطقة ويعمل وفق المبدأ الناظم نفسه. يقول حجاي إلعاد مدير عامّ منظّمة بتسيلم: "المبادئ الأساسيّة للنظام الإسرائيليّ يجري تطبيقها منذ سنين طويلة ولكنّها تتكشّف في السّنوات الأخيرة على نحوٍ أوضح بكثير. هكذا الأمر في خطاب الضمّ الرسميّ بعد عقود من الضمّ الفعليّ وهكذا بخصوص قانون القوميّة الذي يجعل التمييز القائم والرّاسخ ضدّ الفلسطينيين مبدءاً دستوريّاً. لا توجد في إسرائيل ديمقراطيّة + احتلال وإنّما نظام واحد من النهر إلى البحر، وهذا يحتّم علينا أن ننظر إلى الصّورة كاملةً وأن نسمّيها بدقّة: أبارتهايد. هذه النظرة اليقِظة إلى الواقع لا ينبغي أن تؤدّي بنا إلى اليأس بل على العكس هذا نداء للتّغيير - لأنّ من أقاموا هذا النظام بشر ويمكن للبشر تغييره إذن".

12 كانون الثاني/يناير 2021