غور الأردن

مُجريات السّلب، نسخة الأغوار الشماليّة: بؤر الاستيطان الجديدة كجزء من عمليّة الاستيلاء على الأراضي

الصورة
נקודת ההתנחלות בח'ירבת א-סוויידה. צילום: שרית מיכאלי, בצלם, 14.11.17

في نهاية عام 2016 أقيمت بؤرتا استيطان جديدتان في الأغوار الشمالية. التقنيّة المستخدمة في الحالة أمامنا تشمل خطوات مشابهة طبّقتها إسرائيل في عمليّات سلب ونهب سابقة في أنحاء الضفّة: تُبنى البؤر الاستيطانية نفسها على مساحة لا تتجاوز عشرات الدونمات لكنّ وقْعها أبعد بكثير من ذلك بحيث تمهّد الأرضيّة لاستيلاء إسرائيل على آلاف الدونمات. السياسة التي تتّبعها إسرائيل في هذه المنطقة منذ سنين طويلة وتسعى من خلالها إلى تهجير التجمّعات الفلسطينية عن المنطقة، تطبّق بالجمع بين الأوامر العسكريّة والوسائل الإداريّة والتنظيميّة والعمليات العسكرية. تستخدم الدولة المستوطنين في البؤر الاستيطانية الجديدة كذراع طويلة للدولة: من خلال استغلالهم لمكانتهم كمواطنين إسرائيليين في منطقة تحتلّها إسرائيل يهاجم المستوطنون الرّعاة الفلسطينيين ويمنعونهم من الوصول إلى الأراضي التي تشكّل مصدرًا أساسيّا لمعيشة هذه التجمّعات منذ عشرات السنين.

البؤرة الاستيطانية الجديدة الأولى من بين الاثنتين أقيمت في الأغوار الشمالية في أيلول 2016. في البداية أقيمت على قسيمة أرض بمُلكية فلسطينية خاصّة تبعد بضع مئات من الأمتار عن بؤرة "جڤعات سلعيت" التي أقيمت عام 2001 وبؤرة "محولا" التي أقيمت عام 1968. في كانون الثاني 2017 أي بعد مضيّ بضعة أشهر نقل المستوطنون أبنية البؤرة إلى رأس تلّة مجاورة للقسيمة مسجّلة في الطابو مُلكيّة دولة منذ ما قبل احتلال إسرائيل للضفة الغربية. تستولي إسرائيل على الأراضي المصنّفة كـ"أراضي دولة" والمعدّة بوصفها كذلك لخدمة السكّان المحلّيين- لتكرّسها لاحتياجاتها حصرًا. نقل البؤرة الاستيطانية إلى قسيمة مصنّفة ضمن "أرضي الدولة" هو علامة على أنّ هذه الخطوة جرت بتنسيق مع السلطات الإسرائيلية.

الصورة

ارطة المنطقة. لتكبير الخارطة انقروا هنا.

تمتدّ مساحة البؤرة اليوم على نحو 50 دونمًا أقيمت عليها بركسات للسكن وبضعة خيام وحظيرة للأغنام والأبقار وصهريج ماء كبير. يقدّر ناشطون إسرائيليون أنّه يسكن اليوم في البؤرة نحو عشرة شبان. من موقعها على رأس التلّة تشرف البؤرة على وادي خلّة حمد الذي يقع فيه أحد المضارب التي تشكّل تجمّع الرّعاة القديم خربة تلّ الحِمّة والذي يضمّ قرابة مائتي نسمة. تحيط بالبؤرة آلاف الدونمات من المراعي التابعة لهذا التجمّع، لتجمّع الفارسيّة الذي يعدّ نحو 300 نسمة في الشتاء و-100 نسمة في الصيف ولقرية كردلة التي تعدّ نحو 450 نسمة.

البؤرة الثانية أقيمت بعد الأولى بشهرين تقريبًا في تشرين الثاني 2016، على بُعد ثمانية كم إلى الجنوب من الأولى وقرابة 300 متر فقط من معسكر "مجمات نيتسَح يهودا". في بداية كانون الثاني 2017 جلب مستوطنو البؤرة إلى المكان قطيعًا يضمّ بضعة عشرات من الأبقار وبنوا حظيرة ومبانيَ زراعية. في نيسان 2017 وثّقت ناشطات "محسوم واتش" (لا للحواجز) أنبوب مياه يصل من المعسكر إلى البؤرة. الكشف عن تزويد الدولة لبؤرة استيطانية بالمياه تعرّفها الدولة نفسها أنّها غير قانونية، يبدو أنّه هو الذي أدّى إلى إبعاد البؤرة في أيار 2017 إلى مكان يدعى خربة السويدة على بُعد نحو أربع كم من المعسكر - إلى أرض كان الجيش قد أعلنها "منطقة إطلاق نار" وفي هذه المرّة أيضًا إلى قسيمة مسجّلة في الطابو بمُلكيّة دولة منذ ما قبل الاحتلال.

الصورة
البؤرة الاستيطانية بالقرب من خربة تل الحمة. تصوير: سريت ميخائيلي، بتسيلم

تمتدّ البؤرة اليوم على نحو 40 دونمًا وفيها خيام وعرائش ومنشآت زراعية وحظيرة أبقار وألواح شمسيّة وصهريج مياه كبير وتراكتور. وفقًا لتقديرات ناشطين إسرائيليين يستوطن هذه البؤرة نحو عشرة شبان. وهذه البؤرة أيضًا تحيطها آلاف الدونمات من المراعي التابعة لثلاث تجمّعات فلسطينية قديمة: خربة سمرة التي تعدّ نحو 40 نسمة في الشتاء وتبقى خالية طيلة ثلاثة أشهر في الصيف وخلّة مكحول التي تعدّ نحو 40 نسمة وعين الحلوة التي تعدّ نحو 55 نسمة.

تأثير البؤر الاستيطانية يتجاوز بكثير مساحة البناء فيها: المستوطنون هناك يبذلون جهودًا كبيرة في منع وصول الرّعاة الفلسطينيين إلى أراضيهم. لأجل ذلك يخرج أولئك في دوريّات ترهيب وهم يعتلون الخيول والتراكتورات الصغيرة مسلّحين بالعصيّ والبنادق ليطردوا رعاة الأغنام الفلسطينيين. لقد وثّقت بتسيلم مستوطنين يندفعون مقتحمين قطعان الأغنام لأجل تشتيتها ويدهسون المواشي ويرشقونها بالحجارة ويعتدون جسديًّا على الرّعاة أنفسهم أو يهدّدونهم.

حين ينجح المستوطنون في إبعاد الرّعاة الفلسطينيين عن المراعي الفلسطينيّة يأخذون في جلب قطعان الأغنام والبقر خاصّتهم لترعى هناك. بذلك هم يستغلّون المراعي لاحتياجاتهم هم ويمسّون بقدرة القطعان الفلسطينية على الرّعي.

إزاء هذا العُنف الذي بات روتينًا يوميًّا يسود حياتهم تقدّم سكّان التجمّعات بشكاوى للجيش والشرطة غير أنّ جهاز تطبيق القانون الإسرائيلي يواصل باستمرار الامتناع عن اتّخاذ أيّة إجراءات ضدّ المستوطنين. يقول السكّان الفلسطينيون أنّه حتى بوجود الجنود في المنطقة أثناء الاعتداءات يقف هؤلاء ضدّهم في صفّ المستوطنين.

إقامة البؤر الاستيطانية والعنف الذي يمارسه المستوطنون ضدّ السكّان الفلسطينيين كلاهما يجري برعاية الدولة فهو لا يأتي من فراغ. هذه البؤر جزءٌ لا يتجزّأ من سياسة تتّبعها إسرائيل في الأغوار منذ العام 1967 مستخدمة العديد من الوسائل - الرسميّة وغير الرسميّة - بهدف تقليص الوجود الفلسطيني في الأغوار وتعميق السيطرة الإسرائيلية على المنطقة. بذلك تمنع إسرائيل الفلسطينيين من استخدام نحو 85% من مساحة الأغوار وشمال البحر الميت وتستغلّ هذه المساحة لاحتياجاتها هي. إنّها تمنعهم من المكوث في تلك الأراضي والبناء فيها ورعي أغنامهم وفلاحة أراضيهم الزراعية. تستند إسرائيل في ممارساتها هذه إلى ذرائع قانونية مختلفة: أعلنت إسرائيل منذ العام 1967 بعد أشهر قليلة من بدء الاحتلال جميع الأراضي التي كانت مسجّلة أراضي دولة في العهد الأردني (وتشكّل نسبة 53% من مجمل مساحة منطقة الأغوار وشمال البحر الميت) كـ"مساحات مغلقة". إضافة إلى هذا التصنيف أعلن الجيش في نهاية الستينيّات وبداية السبعينيّات 45.7% من أراضي الغور كـ"مناطق إطلاق نار" ومنع الفلسطينيين من دخولها أو المكوث فيها. كذلك أعلنت إسرائيل نحو 20% من أراضي الغور كـ"محميّات طبيعيّة" و"حدائق وطنيّة" وخصّصت أراضٍ أخرى للمستوطنات التي أقيمت في الأغوار بعد الاحتلال بوقت قصير (بعض هذه الأراضي يقع تحت أكثر من تصنيف واحد من التصنيفات أعلاه).

فوق هذا كلّه هنالك المنع الشامل الذي تفرضه الدولة على بناء المنازل أو المباني العامّة في هذه التجمّعات الفلسطينية وبالتالي رفض إصدار تراخيص البناء ورفض ربط التجمّعات بمرافق أساسيّة مثل شبكة المياه والكهرباء؛ والامتناع عن شقّ شوارع تؤدّي إليها. وعندما يجد السكّان أنّه لا خيار لديهم سوى البناء دون ترخيص تصدر الإدارة المدنيّة أوامر الهدم. وسواء جرى تنفيذ تلك الأوامر أم لا يحوم في الواقع شبح الهدم فوق السكّان وهم يعيشون تحت التهديد المستمرّ بتنفيذ الأمر وهدم منازلهم ومرافقهم في كلّ لحظة. في بعض التجمّعات هدمت الإدارة المدنيّة منازل السكّان أنفسهم أكثر من مرّة.

منذ عام 2006 وحتى 30.11.2017 هدم الجيش 205 مبانٍ في التجمّعات الفلسطينية التي أقيمت في جوارها بؤر استيطانية جديدة: في تجمّع خلّة مكحول هدم الجيش 25 مبنًى سكنيًّا و-37 مبنىً آخر. في تجمّع خربة سمرة هدم الجيش 4 مبانٍ سكنيّة و-6 مبانٍ أخرى. في تجمّع عين الحلوة هدم الجيش 15 مبنىً سكنيًّا وسبعة مبانٍ أخرى. في تجمّع خربة تلّ الحِمّة هدم الجيش 17 مبنىً سكنيًّا و-12 مبنىً آخر. في تجمّع الفارسيّة هدم الجيش 61 مبنًى سكنيًّا و-21 مبنًى آخر. بالمجمل بلغ عدد السكّان الذين فقدوا منزلهم في الفترة المذكورة 391 شخصًا ومن بينهم 157 ولدًا وفتًى.

هذا الواقع الذي لا يطاق والذي يبعث اليأس في النفوس تفرضه إسرائيل على سكّان هذه التجمّعات بهدف دفعهم إلى الرّحيل عن منازلهم - كأنّما بمحض إرادتهم. إنشاء هذا الواقع يماثل في جوهره عمليّة تهجير سكّان منطقة محتلّة عن منازلهم وأراضيهم أي النقل القسريّ لسكّان محميّين وهو ما يصنّف كجريمة حرب. جميع المتورّطين في ارتكاب هذه الجريمة يتحمّلون عواقب ذلك شخصيًّا - وبضمنهم رئيس الحكومة ووزير الأمن والقضاة الذين يصادقون على خطوات مآلها التهجير وقائد المنطقة الذي يوقّع على الأوامر.

إقامة البؤرتين الاستيطانيّتين الجديدتين تعزّز مساعي الدولة لتحقيق غايتها الأساسية في الضفة الغربية: سلب السكّان الفلسطينيين أراضيهم ومنازلهم والسيطرة على ممتلكاتهم. كلّ قيد من القيود التي فرضتها الدولة على السكّان الفلسطينيين مكّن المستوطنين من غزو أراضيهم وإقامة المستوطنات والبؤر الاستيطانية والاستيلاء على مساحات شاسعة حولها. صحيح أنّ الدولة تصرّح أنّ وجود البؤر الاستيطانية في المنطقة "غير قانوني" وأنّ الأمر أتى "بمبادرة خاصّة" من المستوطنين؛ لكنّ امتناعها عن اتّخاذ أيّة إجراءات تغيّر هذا الواقع يُظهر كم أنّ تصريحاتها تلك هي كلام فارغ. رفْض الدولة إخلاء هذه البؤر ومستوطنيها ورفضها منع الهجمات والاعتداءات التي أصبحت روتينًا جاريًا وعدم محاكمة المجرمين - يدلّ على أنّ الدولة تستخدم سلوك المستوطنين الإجراميّ لأجل تثبيت سيطرتها على المنطقة وتتنصّل منه رسميًا ببعض تصريحات خاوية لرفع العتَب. هذه الممارسات تكمّل عمليّة النهب والسلب الرسمية التي تقوم بها إسرائيل في هذه المنطقة (مثلما في مناطق أخرى من الضفة الغربية) وتلعب دورًا مركزيًّا في تطبيق سياسة دولة إسرائيل.

 

عبد ضراغمة (80 عامًا) راعي أغنام من سكّان خربة سمرة ومتزوّج وأب لتسعة، قال في إفادة أدلى بها يوم 20.12.2017 أمام الباحث الميداني لبتسيلم عارف ضراغمة:

أنا أعمل في تربية المواشي. إنّها مهنة نتوارثها في عائلتنا من جيل إلى جيل. نحن نعتاش ونربّي أولادنا من ذلك. توفّيت زوجتي الأولى قبل بضعة سنوات وجميع أولادي قد تزوّجوا وغادروا للبحث عن رزقهم في أماكن أخرى. عند ذلك تزوّجت ثانية. أردت أن أستمرّ في حياتي.

قبل الاحتلال كنا نتنقّل في أراضينا: في خربة سمرة وخربة السويدة وخربة المزوقح. كانت حياتنا ممتازة - لا احتلال ولا معسكرات جيش ولا مستوطنين. كانت أغنامنا تتحرّك بحرّية في المراعي وكانت لنا أراضٍ واسعة فسيحة. كان رزقنا جيدّا وكنّا مرتاحين في حياتنا. طيلة عشرات السنين سكنت في خربة السويدة مع أسَر أخرى من عائلتنا الموسّعة.

بعد حرب 1967 انقلبت حياتنا إلى جحيم. جاء الجيش وطردنا من منطقة خربة السويدة. اعتدوا علينا جسديًّا وصادروا مواشينا وقتلوا الكثير من الأغنام. هربنا وتركنا كلّ شيء وراءنا فقط لكي نحافظ على حياتنا وحياة أولادنا. منذ ذلك الحين والمصائب تلاحقينا واحدة تلو أخرى ولم نعد إلى حياتنا الطبيعية. لقد سلبنا الاحتلال رزقنا وكلّ ما كان يجلب لنا السعادة. أصبحت حياتنا صعبة جدًّا.

بعد أن هربنا من خربة السويدة ومن خربة المزوقح انتقلنا للسكن في خربة سمرة. في البداية كانت تسكن هنا معنا عشرات الأسَر، أمّا اليوم فلم يبق سوى نحن وأسَر معدودة، لأنّ الحياة هنا أصبحت جحيمًا. قبل بضعة سنوات جاءت إلى هنا جرّافات وهدمت خيامي وخيام أولادي وخيام الجيران. قالوا لنا إنّ سبب ذلك أنّنا لا نملك تصاريح بناء لتلك الخيام. ولكنّهم في الوقت نفسه يبنون بيوتًا في المستوطنات.

وهكذا ظلّت حياتنا تتدهور وساءت الأحوال بشكل خاصّ في السنة الأخيرة. فجأة جاء مستوطنون وأقاموا خيامًا على رأس تلّة خربة المزوقح. نحن نملك في تلك المنطقة أراضٍ طردتنا منها "سلطة حماية الطبيعة" بادّعاء أنّه ممنوع الرّعي فيها. اليوم يرعى المستوطنون أبقارهم في تلك الأراضي نفسها في الوقت الذي لا يُسمح لنا بجلب مواشينا إلى تلك المراعي. نحن نخافهم لأنّهم مسلّحون والجيش يقف إلى جانبهم ضدّنا. الجيش يطردنا من المنطقة بحجّة أنّها منطقة عسكرية ولكنّ الأوامر العسكرية التي تسري علينا لا تسري على المستوطنين.

قبل نصف سنة انتقل المستوطنون من خربة المزوقح إلى خربة السويدة وأقاموا هناك خيامًا لهم. بالنسبة إلينا كانت هذه كارثة. السويدة هي أراض أجدادي ومساحتها تمتدّ على آلاف الدونمات. الآن أغلقها المستوطنون ونحن لا قدرة لنا ولا قوّة لتغيير الوضع. جلب المستوطنون أبقارًا وأغنامًا وهي ترعى في مراعينا أمام أعيننا في الوقت الذي نُمنع فيه من دخولها والسكن فيها.

يتجوّل المستوطنون طيلة الوقت في المراعي ترافقهم كلاب شرسة. هم يهدّدون بأنهم سيقتلون أولادي وأسرتي ويهدّدون الرّعاة الآخرين بالقتل - إذا دخلنا إلى تلك المراعي. عدّة مرّات توجّهنا إلى الجيش بالشكاوى ولكن الجيش يقف إلى جانب المستوطنين. إنّه يقيّد رعاة الأغنام ويجبرهم على العيش في مناطق بعيدة. حياتنا أصبحت علقمًا وفوق ذلك بدأت تتراكم علينا الديون. كانت المراعي تزوّد الأغنام بطعامها وكذلك كنّا نجمع لطعامنا الأعشاب الصالحة للأكل. ولكن اليوم أصبحت حركتنا محصورة في مساحة ضيّقة جدًّا وأصبحنا مضطرّين لشراء الأعلاف لمواشينا وهذه أسعارها عالية جدًّا. لقد اضطررت لبيع عدد من أغنامي لأجل شراء الأعلاف وهكذا فعل بقيّة الرعاة في المنطقة. يصعّب هذا الأمر حياتنا بشكل كبير - اقتصاديًّا ونفسيًّا. نحن لا ندري ماذا سنفعل.

في السنوات الأخيرة أخذنا ننتقل في الصيف إلى مناطق بعيدة لأنّهم يقيّدون حركتنا ولم يبق لمواشينا مكان ترعى فيه. نضطرّ إلى ترك خيامنا والسكن قرب مراعٍ في منطقة طوباس وهذا يضيف معاناة فوق كلّ ما نلاقيه من صعوبات. حياتنا صعبة أصلاً وعندما جاء المستوطنون تحوّلت حياتنا إلى جحيم. نحن نعيش في خوف وقلق دائمين بسببهم خوف على أنفسنا وعلى أولادنا ومواشينا. هذه أراضينا نحن فبأيّ حقّ يستولون عليها؟

 

الصورة
البؤرة الاستيطانية بالقرب من خربة تل الحمة. تصوير: سريت ميخائيلي، بتسيلم

زهرة أيّوب (63 عامًا) من سكّان خربة تل الحِمّة، تعمل في تربية المواشي ومتزوّجة وأمّ لثلاثة عشر. في إفادة أدلت بها يوم 20.12.2017 أمام الباحثة الميدانية لبتسيلم سلمى الدّبعي، قالت زهرة ما يلي:

منذ زواجنا أسكن مع زوجي في خربة تل الحِمّة في منطقة الأغوار. لقد اضطررنا عدّة مرّات إلى الانتقال هنا من منطقة لأخرى بسبب الجيش والإدارة المدنية. كانت المرّة الأخيرة في السنة الماضية حين هدموا البركسات التي كنّا نسكنها وحظائر الأغنام - لم يبقوا لنا شيئًا. كان ذلك بحجّة أنّنا بنينا دون ترخيص. ولأنّه ليست لنا قدرة على تحمّل تكاليف بناء البركسات لأنّها تكلّف كثيرًا استعضنا عنها بإقامة خيام.

أصبحت حياتنا صعبة بشكل خاصّ منذ أن أقاموا البؤرة الاستيطانية الجديدة قبل سنة تقريبًا. المستوطنون يلاحقوننا حتى بيوتنا يصرخون علينا ويصوّروننا ويطالبوننا بمغادرة المكان ويقولون إنّ هذه الأرض لهم - مع أنّهم مستوطنون أصلاً. إنّهم يصوّرون حظيرة الأغنام حتّى! عندما يخرج أبنائي مع المواشي إلى المرعى يلاحقهم المستوطنون. وكثيرًا ما رشقوا مواشينا بالحجارة حتّى أنّ عددًا من الغنمات أجهضت بسبب مطاردة المستوطنين لها ورشقها بالحجارة.

بسبب صعوبة الخروج مع أغنامنا إلى أراضينا لترعي فيهان أصبحنا مضطرّين لشراء العلف لكي نطعمها وهذا عبء ثقيل علينا، اقتصاديًّا. لقد تراكمت علينا الديون من شراء الأعلاف وأضيف همّ آخر فوق همومنا. نحن نعيش بصعوبة والأرباح من تربية المواشي بالكاد تكفي لمعيشتنا. لا نستطيع شراء العلف طيلة أيام السنة لأنّ هذا يحمّلنا خسائر كبيرة لا قدرة لنا عليها. نحن نعيش بلا كهرباء وليس لدينا مياه جارية. في شهر تمّوز جاء موظّفو الإدارة المدنية وصادروا الألواح الشمسية التي تبرّعت لنا بها منظمة إغاثية في شهر آذار. إنّنا نضطرّ إلى شراء المياه المنقولة بالصهاريج من منطقة عين البيضا. وفي المقابل تجد أنّ المستوطنين منذ أن جاءوا وصولوهم بالمياه والكهرباء بسرعة مدهشة بل إنّهم غرسوا أشجار الزيتون أيضًا. لو أنّنا نحن الذين غرسنا أشجارًا لجاء الجيش والإدارة المدنيّة واقتلعوها.

 

الصورة
الإدارة المدنية تصادر صهاريج مياه في خربة تل الحمة. تصوير: عارف ضراغمة، بتسيلم 17.7.2017

أنا لا أعرف ماذا أفعل. لا تغمض عيناي في الليالي ولا شيء يطمئن بالي. أخاف على أولادي وأخشى أن يصيبهم سوء وأتساءل كيف يمكنهم أن يقضوا حياتهم هنا. أنا أصبحت مسنّة ولا أخاف على نفسي ولكنّي أخشى على مصير أولادي ومصير أولادهم.

لا أفهم ماذا يريدون منّا. نحن لا نضايقهم في شيء. هم الذين يضايقوننا ويلاحقوننا إلى كلّ مكان. قلت لأولادي "دعونا نغادر إلى مكان آمن. لا يهمّ أيّ مكان". ولكنّه قالوا لي "لا يوجد مكان آمن ولا يوجد مكان يخلو من المستوطنين. لقد سيطروا على كلّ الأراضي". قلت لهم "لنذهب إذن إلى نابلس" ولكنّهم قالوا لي "حتّى نابلس سيطر المستوطنون على كلّ أراضيها. لم يبق شيء".

أنا أفكر طيلة الوقت إلى أين نذهب؟ نحن لا نريد شيئًا سوى الأمن وأن نعيش بهدوء. رضينا بهذا العمل الشاقّ ورضينا بالحياة الصعبة مع الغنم وتربية المواشي في ظروف قاسية كهذه ولكن ماذا يمكننا أن نفعل بالمستوطنين؟ إنّه شعور يصعب تحمّله - أن يعيش الإنسان وهو يشعر بأنّه في حرب لأجل لقمة عيشه وأنّه مهدّد طيلة الوقت والشعور بالخوف يلازمه. هذا أمر لا يُطاق. لو كان هناك مكان يمكن الانتقال إليه وفيه مراعٍ ومكان لبناء بيت لنا لما فكّرت مرّتين، لانتقلت فورًا.

مواد مقترحة

המאחז "חוות לכתחילה". צילום: פאיז אבו רמילה, בצלם, 22.7.24

عنف المستوطنين = عنف الدولة

البؤرة الاستيطانيّة "لِخَتْحيلَه" - استيلاء المستوطنين على أراضي تجمّع وادي قلط بمُساعدة الجيش

أصبحت البؤر الاستيطانيّة و"المزارع" الاستيطانية، خلال العقد الأخير، إحدى الطرق الرئيسة التي تستخدمها إسرائيل للاستيلاء على الأراضي في الضفّة الغربيّة ولطرد التجمّعات الفلسطينيّة التي تعيش عليها. بخلاف الخطوات الرسميّة التي يتمّ اتّخاذها لإقامة مستوطنات، فإنّ إنشاء البؤر الاستيطانيّة يمكن أن يُنفّذ بسرعة ويتطلّب موارد وقوى بشريّة قليلة نسبيًّا. كما أنّ الاستيلاء على ـأراضٍ زراعية من خلال البؤر الاستيطانيّة والمزارع، يسمح للدولة بالتنصّل من المسؤوليّة عن الاستيلاء على الأرض وعن الممارسات العنيفة وغير القانونيّة التي يرتكبها المستوطنون ، رغم أنّها تدعم هذه البؤر الاستيطانيّة بشتّى الطرق. وبذلك، تنجح الدولة في عرض ممارسات المستوطنين - مبعوثيها - كمسألة تعلق بإنفاذ القانون فحسب، بدلًا من كونها قضيّة متعلّقة بسياسة منتهجة.يتمّ إنشاء البؤر الاستيطانيّة بشكل سريع في مناطق أساسيّة، ويتمكّن المستوطنون من السيطرة على مساحات شاسعة في غضون وقت قصير، ومن فرض حقائق على الأرض عبر مداهمة الأراضي الفلسطينيّة بقطعان الأغنام والأبقار، مواجهة السكّان الفلسطينيّين بشكل متعمّد والاعتداء العنيف عليهم. في بعض الحالات، يتم إنشاء البؤر الاستيطانية بدون مصادقات رسمية من قبل السلطات الإسرائيلية، وفي بعضها الآخر من خلال التعاون مع السلطات، وسط الاعتماد على اتفاقيات تخصيص للأغراض الزراعية، مثل المراعي والفلاحة. حتى في الحالات التي يتم فيها تخصيص الأراضي من جانب الدولة، يتجاوز المستوطنون في كثير من الحالات المساحات المخصصة، وهكذا يقومون بتوسيع مساحات الأراضي الخاضعة لسيطرتهم.تحظى ممارسات المستوطنين هذه، في كثير من الحالات، بتعاون من جانب الجيش الذي يمتنع عن هدم المباني غير القانونيّة التي يقيمونها، لا بل يزوّد المستوطنين بخدمات حراسة، ويشارك بشكل فعّال في طرد السكّان الفلسطينيّين بشكل عنيف. منذ 7 تشرين الأوّل، تفاقمت ممارسات المستوطنين الساعية إلى الاستيلاء على الأراضي، سواء من ناحية حجم انتشارها وآثارها، أو من ناحية حدّة العنف الذي يستخدمه المستوطنون، أو من ناحية انخراط الجيش الفعّال في هذه الممارسات. وفي هذا الإطار أيضًا هُجِّر 19 تجمّعًا فلسطينيًّا على الأقل من مساكنها وأراضيها بهذه الوسائل، وتواجه اليوم تجمّعات أخرى كثيرة تهديدًا وجوديًّا خطيرًا.يقع تجمّع وادي قلط (الكعابنة) - الذي تقطنه 15 أسرة، تعدّ معاً 80 شخصاً بضمنهم 40 قاصراً - في منطقة وادي قلط، المسمّاة أيضاً الحثرورة-العرارة. منذ العام 1983 وعلى مرّ السّنين منذئذٍ اعتمد سكّانه في معيشتهم بالأساس على تربية الأغنام. في الماضي طُرد سكّان التجمّع، أبناء عشيرة الكعابنة، من النقب بعد إقامة دولة إسرائيل فانتقلوا بداية إلى منطقة الخليل، ومن هناك إلى منطقة تقع شرقيّ القدس. ومنذ أن سكنوا منطقة وادي قلط طُردوا منها مرّتين: كانت المرّة الأولى في أعقاب إقامة مستوطنة "كفار أدوميم"، والمرّة الثانية في أعقاب إقامة مستوطنة "متسبيه يريحو".في العام 2018 أقيمت في منطقة النفوذ البلدية لمستوطنتيّ "متسبيه يريحو" و"معاليه أدوميم" البؤرة الاستيطانية "حفات لختحيلَه"، على بعد نحو 150 مترًا شرقيّ تجمع وادي قلط. . تعمل في البؤرة الاستيطانية "لِخَتْحيلَه" مدرسة دينيّة لشبّان "حريديم" تسربوا من أطر أخرى، وتدعمها ماليّاً مؤسّسة "كيرن كييمت". تدمج المدرسة التعليم والعمل الزراعي ورعي الأغنام. كذلك تقام هناك مناسبات. وقد علمت بتسيلم أن اتفاقية لتخصيص أرض للرعي وزرع الأشجار في المنطقة الواقعة شمالي شرق البؤرة الاستيطانية قد تم التوقيع عليها بين قسم الاستيطان الذي تم تخصيص الأرض له من قبل المسؤول عن الأملاك الحكومية في الإدارة المدنية وبين ممثلي البؤرة الاستيطانية. وتسمح اتفاقيات التخصيص هذه باستخدام الأراضي للرعي، لكن معلومات بتسيلم تشير إلى أن الاتفاقيات، وكذلك الوضع التخطيطي، لا تسمح بالبناء، ولذلك فإن الأبنية في البؤرة الاستيطانية هي غير قانونية، كما يبدو، وهي في كل الأحوال لا تشمل أراضي التجمع. في العام 2022 أقيمت غربيّ التجمّع بؤرة استيطانيّة أخرى، وهكذا حوصر التجمّع بين البؤرتين من الشرق والغرب، وشارع رقم 1 من الجنوب والمحمية الطبيعية وادي قلط من الشمال. في أعقاب ذلك، وبسبب عُنف المستوطنين، تقلّصت إلى حدّ كبير مساحة المراعي المُتاحة لأبناء التجمّع.ويقول سكّان التجمّع في إفاداتهم إنّهم منذ إقامة البؤرة الاستيطانيّة "حفات لِخَتْحيلَه" يتعرّضون لتنكيل على نطاق لم يعهدوه من قبل. وقد تحدّثوا عن اعتداءات جسديّة على رُعاة في المراعي واقتحامات للتجمّع نفسه. وقال السكّان إنه خلال تلك الاقتحامات، كان مستوطنون يأتون من صوب البؤرة الاستيطانية ويقومون باعتداءات جسديّة على السكان ورشقهم بالحجارة إضافة إلى تهديدهم . ورغم تكرار هذه الأحداث تكرّرت أيضاً توجهات السكّان إلى الشرطة الإسرائيلية، إلّا أنّها لم تحرّك ساكناً لوقف هذه الهجمات والمضايقات، بل قامت باعتقال سكّان من التجمّع، بمن فيهم قاصرون.إن خلق مثل هذه "الاحتكاكات" بصورة متعمّدة يشكل تعبيرًا جيدًا عن الهدف الذي تقام من أجله بؤر المزارع الاستيطانية هذه والطريقة التي بواسطتها يكرس هؤلاء سيطرتهم على الأرض. وإن أعمال التنكيل المتعمدة التي يقوم بها مستوطنو هذه البؤر ضد المزارعين الفلسطينيين تخلق صورة مزيفة عن "مواجهات" متوازية ومتوازنة بين المستوطنين والمزارعين، وهي الصورة التي يستغلها الجيش بغية إبعاد الفلسطينيين بذريعة "الضرورة الأمنية"، بالقوة في كثير من الأحيان. وعندما تقع مثل هذه الأحداث، مرة تلو الأخرى وبصورة متكررة، يتم إغلاق الطريق أمام المزارعين وقدرتهم على الوصول إلى الأراضي التي يستخدمونها للرعي، الأمر الذي يمسّ بقدرتهم على الاسترزاق من رعي المواشي.ولا يقتصر التنكيل بسكان التجمع على محاولة إبعادهم عن مناطق الرعي فقط، بل يشمل أيضًا تقييد حقهم في الحركة والتنقل. في الماضي نصبت الإدارة المدنيّة والجيش بوّابة كهربائيّة على الطريق المؤدّية إلى التجمّع، لكنّهم أغلقوها منذ ما قبل الحرب ومنعوا بذلك السكّان من الخروج والدّخول عبر المنفذ إلى الشارع المقابل لمدخل المستوطنة، ثمّ بدأ المستوطنون بتسيير دوريّات في المنطقة. خلال الحرب أغلق الجيش أيضاً الطريق الجبليّة المتعرّجة المتّجهة إلى أريحا، وبذلك صعّب أكثر فأكثر قدرة السكّان على التنقل من التجمّع وإليه ووُصولهم إلى المدينة، علماً أنّهم يتلقّون فيها معظم الخدمات. ومؤخّراً فُتح الحاجز الذي على المنفذ خلال ساعات النهار لكنّ الجيش يعود ويُغلقه كلّ ليلة. وعلى كلّ حال، فإنّ الطريق من الشارع في اتّجاه أريحا مُغلقة وبالتالي فهو لا يخدم سكّان التجمّع في شيء.منذ اندلاع الحرب الحالية، تفاقمت الهجمات التي يشنّها المستوطنون ضدّ أهالي التجمع. وقد شملت هذه الهجمات اقتحام التجمّع في ساعات اللّيل بضع مرات، حيث كان بعض المهاجِمين يرتدون الزيّ العسكريّ أو كانوا ملثمين جاؤوا من ناحية البؤرة الاستيطانية. كانوا يقتحمون المنازل، يهدّدون السكّان، يطالبونهم بالرّحيل عن منازلهم ويُلحقون أضراراً بالمنازل والممتلكات. كذلك ألحق المستوطنون عدّة مرّات أضراراً بشبكة المياه في التجمّع، والتي تصلها المياه من شركة "مكوروت". في كانون الأول 2023 هبطت وتيرة الهجمات في أعقاب تدخّل الإدارة المدنيّة بضغط من منظمات إنسانيّة. مع ذلك، واصل المستوطنون منع الوُصول إلى المراعي، ممّا أضرّ كثيراً بقدرة السكّان على كسب معيشتهم وأدّى بمعظم مربّي الأغنام إلى بيع معظم أغنامهم بعد أن عجزوا عن تحمّل تكلفة شراء الأعلاف لإطعامها. بعض هؤلاء تخلّوا مجبرين عن نمط حياتهم التقليديّ بعد أن اضطرّوا للعمل كعمّال أجيرين. توضح الإفادات التي أدلى بها السكّان أمام بتسيلم مدى تأثير البؤرة الاستيطانيّة على حياة السكّان الفلسطينيّين الذين يُقيمون و/أو يرعون مواشيهم في جوارها، كما التنكيل والتجبّر بهم من قبَل المستوطنين والجيش.أدناه إفادتان أدلى بهما اثنان من سكّان التجمّع أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عامر عاروري:طايل كعابنة (41 عاماً)، أب لستّة، قال في إفادته التي أدلى بها في 13.5.24:أنا أب لستّة أولاد، وابني الأكبر، محمود (23 عاماً) متزوّج. التجمّع الذي أقيم فيه سكن في الماضي قريباً من الموقع الذي أقيمت عليه مستوطنة "متسبيه يريحو"، ولكن رحّلونا عنه في العام 1983. من هناك نتقل التجمّع إلى الموقع الذي هو موجود فيه الآن. وأنا قد وُلدت هناك في السّنة نفسها. منذ إقامة البؤرة الاستيطانيّة، قبل خمس سنوات، نعاني من هجمات يشنّها علينا مستوطنون يأتون من جهة البؤرة الاستيطانيّة الرعويّة.في أيّار وحزيران 2023شنّ علينا مستوطنون جاؤوا من ناحية البؤرة هجمات متتالية. في إحدى الهجمات دخلوا مع أغنامهم وأفلتوها لترعى وسط التجمّع. عندما طرد الأهالي الأغنام استدعى المستوطنون نجدة فجاء مستوطنون إضافيون من جهة البؤرة الاستيطانيّة نفسها، وكان بعضهم مسلّحًا بالعصيّ والهراوات وكان بعضهم ملثّمًا. اعتدوا عليّ وعلى آخرين من أبناء عائلتي، بضمنهم ابني (14 عاماً) وابن أخي (16 عاماً) وابن عمّي محمد إبراهيم (60 عاماً).استدعينا الشرطة، ولكن عندما جاءوا اعتقلونا نحن بالذات. كبّلوا أيدينا واقتادونا إلى محطّة الشرطة في مستوطنة "معليه أدوميم". أبقونا هناك طوال 24 ساعة جالسين على مقعد، مكبّلي الأيدي وأعيننا معصوبة بقطعة قماش. بعد ذلك حقّقوا معنا واتهمونا بالاعتداء على عناصر الجيش، رغم أنّ المواجهة جرت أصلاً مع المستوطنين. أطلقوا سراح ابني وابن أخي دون كفالة، أمّا أنا وابن عمّي فقد اضطررنا لإيداع كفالة بقيمة 1,500 شيكل عن كلّ واحد منّا.في أعقاب أحداث السّابع من أكتوبر جاء حفّار كبير من آليّات الإدارة المدنيّة وجنود، وسدّوا بأكوام التراب الطريق المؤدّي إلى بعض منازل التجمّع. نتيجة إغلاق هذه الطريق والطرق الأخرى المؤدّية إلى التجمّع والتي كانوا قد أغلقوها منذ ما قبل الحرب، نضطرّ إلى استخدام طرق التفافيّة وعرة، إضافة إلى أنّها تُطيل كثيراً مدّة سفرنا إلى أريحا. قبل ذلك كنّا نصل إلى الشارع الرئيسيّ، شارع أريحا - القدس، خلال 5 دقائق.بعد مضيّ 20-30 يوماً على أحداث السّابع من أكتوبر أذكر أنّني سمعت في اللّيل حركة في الخارج. عندما خرجت لأستوضح الأمر شاهدت عدداً من المستوطنين يتقدّمون في اتّجاه منزلنا. لخوفي منهم طلبت من النساء والأطفال أن يفرّوا إلى منزل أقارب لنا يقع في مكان أعلى من موقع منزلنا، وهربت مع اثنين من أبنائي إلى الشارع الرئيسيّ. خرّب المستوطنون أربعة ألواح شمسيّة حصلت عليها بمُساعدة من الاتحاد الأوروبيّ، وهدموا مخزناً أضع فيه الأعلاف، مساحته 4x4 متر. بعد ذلك رأيتهم يعودون في اتجاه البؤرة الاستيطانية في تلك اللّيلة هاجموا عائلتنا فقط.منذ 7.10.2023 ازدادت الهجمات علينا. صار مستوطنون يأتون إلى التجمّع كلّ يوم تقريباً، وكان بعضهم يرتدي الزيّ العسكريّ، ويهجمون على المنازل، يُضيئون بمصابيحهم على السكّان النائمين، يتجوّلون بين المنازل ويقولون لنا إنّ علينا أن نرحل عن هذا المكان، وإلّا فسوف يُجبروننا على الرّحيل بالقوّة.في 27.11.23، في ساعة متأخرة من اللّيل، جاء إلى منزلي أربعة أشخاص يرتدون أقنعة على وُجوههم. قالوا لي إنّني أسرق المياه من شركة "مكوروت". أجبتهم بأنّ هذا غير صحيح وأنّني أحصل على المياه بطريقة قانونيّة، والسّلطة الفلسطينيّة تدفع منذ سنين حسابات المياه عن كلّ البلدات البدويّة التي في المنطقة. عندئذٍ طلبوا أن أريهم فواتير، ثمّ قال أحدهم إنّهم قد أبلغونا منذ زمن أنّ علينا الرّحيل والآن يوجد أمامنا خياران: إمّا أن نرحل طوعاً وهُم يقدّمون لنا أموالاً تساعدنا على الانتقال إلى مكان آخر، وإمّا أنّهم في المرّة القادمة سوف يُجبروننا على الرّحيل بالقوّة. قلت لهُم إنّني أن أرحل عن هذا المكان.كذلك حاول المستوطنون أن يسرقوا 20 من أغنامي. جاءوا إلى مساكن التجمّع وأخذوا يقتادون الأغنام في اتجاه البؤرة ، ونحن بدورنا استدعينا الشرطة فجاءت إلى المكان وأعادت لنا الأغنام.بعد 7.10.223 بنحو 40 يوماً وجدنا أن أنابيب شركة مكوروت التي تزود التجمّع بالمياه قد قُطّعت. بقينا أيّاماً بدون مياه. لا يوجد أحد غير المستوطنين له مصلحة في ذلك. الأمر نفسه تكرّر بعد ذلك عدّة مرّات أخرى. هُم يريدون التضييق علينا بكلّ الطرق بهدف ترحيلنا من هذه المنطقة والاستيلاء عليها.في بداية الحرب، عندما ازدادت هجمات المستوطنين، راودت فكرة الرّحيل عن التجمّع عدداً من إخوتي، حتى أنّ أحدهم قد باشر في تفكيك مبانيه، لكنّه في النهاية اقتنع وآثر البقاء. في كانون الأول 2023، وبعد ضغوط مارستها منظمات إنسانية على الإدارة المدنية، توقفت الهجمات.المستوطنون يمنعوننا أيضًا من الوُصول إلى المراعي، وإذا اقتربنا مع الأغنام من البؤرة الاستيطانيّة يخرجون ويرشقوننا بالحجارة. وقد تفاقم هذا الوضع بعد أن أقاموا هنا بؤرة استيطانيّة أخرى قبل سنة، على بُعد 2 كيلومتر غربيّ التجمّع. على سبيل المثال، قبل يومين هاجم مستوطنون جاؤوا من ناحية البؤرة الاستيطانية الغربية أغنام أخي أحمد حين كانت ترعى قرب التجمّع ورشقوها بالحجارة فكسروا رجل إحدى الأغنام.حتى إقامة "متسبيه يريحو" والبؤرة الاستيطانيّة كانت مُتاحة لنا مراعٍ كافية بحيث لم تكن حاجة للأعلاف لإطعام الأغنام سوى خمسة أشهر في السّنة. ولكن في أعقاب إقامة المستوطنات والضغط الذي مارسه المستوطنون وتقلّص مساحة المراعي المتاحة لنا، اضطررنا إلى شراء الأعلاف طيلة السنة، بتكلفة بلغت 1,200 شاقل في الشهر. لم نتحمّل هذه النفقات، ولذلك قلّصت عدد أغنامي من 120 إلى 20. معظم سكّان التجمّع باعوا بالتدريج معظم أغنامهم، وكثيرون منهم اضطروا للعمل كعُمّال أجيرين في المنطقة الصناعيّة "ميشور أدوميم" أو في مصانع البحر الميت أو في مزارع التُّمور الفلسطينيّة.نحن لا نعرف ما يخبّئه لنا المستقبل، لأنّ وجود المستوطنات والبؤر الاستيطانيّة يهدّد وجودنا هنا ووجود تجمّعنا هذا. هدف المستوطنين، في رأيي، هو اقتلاعُنا من منازلنا.محمد كعابنة (51 عاماً،)، أب لسَبعة، قال في إفادته التي أدلى بها في 13.5.24:يقيم ولداي الاثنان، جهاد (28 عاماً) وهو متزوّج وأب لثلاثة، وموسى (24 عاماً) وهو أيضاً متزوّج وأب لثلاثة، إلى جانبي. أعمل في مزرعة تُمور في أريحا. حتى 7 أكتوبر كان جهاد يعمل في "ميشور أدوميم" وموسى في منطقة البحر الميت، كلاهُما بتصاريح عمل رسميّة، ولكن مع بداية الحرب ألغيت هذه التصاريح.في 21.6.2020، دخل مستوطنون جاؤوا من ناحية البؤرة الاستيطانية إلى التجمّع وضرب أحدهم إحدى الأغنام بقضيب حديديّ. عندما اقتربت منه ضربني بالقضيب على رأسي وفرّ هارباً مع بقيّة المستوطنين. تمّ إخلائي لتلقي العلاج في أحد مستشفيات أريحا.منذ اندلاع الحرب في غزة أغلق الجيش الإسرائيليّ بوّابة كهربائيّة الأمر الذي يمنعنا من الوُصول إلى شارع القدس - أريحا، ممّا يضطرّنا إلى السّفر عبر طريق بديلة وعرة وتُطيل مدّة سفرنا كثيراً.في السّنوات الأخيرة أقيمت هنا بؤرتان استيطانيّتان تهدّدان أمن وحياة أهالي التجمّع: الأولى أقيمت شرقيّ التجمّع قبل نحو 5 سنوات وتسمّى "حَفات لِخَتْحيلَه"، والثانية أقيمت غربيّ التجمّع قبل نحو سنة.منذ بدء الحرب في تشرين الأول 2023، بدأ مستوطنون يدهمون التجمّع بين الواحدة ليلاً والثالثة فجراً، والناسُ نيام، - بعضهم بزيّ عسكريّ وملثّمون. وقد تحوّل ذلك إلى ممارسة دائمة، والمرّة الأخيرة كانت في 29.11.23. كانوا يظلّون في التجمّع وقتاً طويلاً، وأحياناً يقتحمون المنازل ويوجّهون أضواء مصابيحهم على وجوه أفراد العائلات وهُم نيام. أحياناً كانوا يقفون لصق منازلنا في الخارج، يثرثرون ويضحكون مع بعضهم البعض. في إحدى المرّات قال لي أحد المستوطنين الذين جاؤوا من ناحية البؤرة الاستيطانية أنّه من الأفضل لنا أن نرحل الآن عن منزلنا، لأنّهم سيأتون في المرّة القادمة بهدف إحراق المنزل وهدمه، لكي يُجبرونا على الرّحيل.في 29.11.23، نحو الثالثة فجراً، استيقظت من نومي مرعوباً إذ اقتحم منزلي نحو 6 أشخاص يرتدون الزيّ العسكريّ ووجّهوا ضوء مصباح إلى وجهي؛ وكانوا يضعون أقنعة على وُجوههم. أمروني بأن أجلب بطاقة هويّتي ثمّ سألني أحدهم منذ كم من الوقت أقيم هنا فأجبنه له بأنّ أبي وجدّي وعائلاتهم قد أقاموا هنا منذ عشرات السّنين. قال لي إنّه وفقاً للسجلّ الذي لديه أنا أقيم هنا فقط منذ 10 سنوات، وسألني لماذا لا أرحل. عندما قلت له إنّني لا أريد أن أرحل سألني كم من المال أريد لكي أوافق على الرّحيل. قلت له إنّني لا أريد مالاً، كما أنّه ليس لي مكان آخر أذهب إليه، فاقترح عليّ أن أرحل إلى الأردن أو قطر. أعتقد أنّهم كانوا مستوطنين من البؤرة الاستيطانيّة المسمّاة "لِخَتْحيلَه" لأنني رأيتهم يعودون في اتجاه البؤرة.مستوطنو المزرعة الاستيطانيّة "لِخَتْحيلَه" والبؤرة الثانية التي أقيمت قبل سنة غربيّ التجمّع يقيّدون إمكانيّة وصولنا إلى المراعي. يرشقوننا بالحجارة ويهدّدوننا بالسّلاح الناريّ لكي يمنعونا من الرّعي. لهذا السّبب، منذ خمس سنوات لا نستطيع الابتعاد مع الأغنام عن منازلنا سوى لمسافة 400 متر، لأنّنا نخاف الاقتراب من البؤرة الاستيطانيّة. إضافة إلى ذلك، يرعى المستوطنون الذين يأتون من ناحية البؤرة الاستيطانية أغنامهم قبالة منازل التجمّع ولا أحد منّا يجرؤ على توجيه كلمة إليهم، لأنّنا نخاف أن يهاجمونا جسديّاً كما فعلوا في مرّات سابقة. على سبيل المثال، يوم أمس (12.5.24)، نحو السّاعة 17:30، اقترب إلى التجمع أحد المستوطنين من البؤرة الاستيطانية الواقعة غرب التجمّع وأخذ يرشق أغنامنا بالحجارة، وبالنتيجة كُسرت رجل إحدى الأغنام. أكثر ما يثير الغضب هو أنّه يُسمح للرّعاة من المستوطنين أن يتجوّلوا مع أغنامهم داخل أراضي التجمّع وفي وادي القلط، بينما الأهالي مواليد هذا المكان - البدو - يُمنعون من ذلك.في الماضي كانت أغنامي تعدّ 80 رأسًا، ولكن بعد محاصرتنا بالمستوطنات والبؤر الاستيطانيّة ومنعنا من الوُصول إلى المراعي اضطررت لبيع 60 منها وبقيت عندي 20 فقط. أنا إنسان فقير، حيث أنّني أعمل في مزارع التّمور الفلسطينيّة لقاء أجر يوميّ قدْره 80 شاقلاً. ثمّ إنّه عمل موسميّ لا يتوفّر سوى لمدّة ثمانية أشهُر في السّنة، ومدخولي لا يكفي لشراء أعلاف لأغنامي.هذه الأمور ضربت الوضع الاقتصاديّ للتجمّع ككلّ، بعد أن كان يعتمد في معيشته على تربية الأغنام وتجارة الأغنام وبيع منتجات الألبان التي كنّا نصنعها بأيدينا. ثمّ أصبح الرّعي وتجارة المواشي غير مجدية لنا اقتصاديّاً فترك كثيرون هذا المجال وتحوّلوا إلى عمّال أجيرين. المستوطنات والبؤر الاستيطانيّة المحيطة بالتجمّع قد دمّرت نمط حياتنا البدويّ.

13 تشرين الأول/أكتوبر 2024

عنف المستوطنين = عنف الدولة

بالوكالة عن الدّولة

عنف المستوطنين تجاه الفلسطينيين بات أمرًا يحدث يوميًا في الضفة. بمقدور إسرائيل لو كانت معنية أن تمنع ذلك إلا أن سلطاتها عوضًا عن ذلك تسمح للمستوطنين بل وتساعدهم في الاستمرار بإلحاق الأذى بالفلسطينيين والمكوث في الأراضي التي نهبوها. تثبت بتسيلم في التقرير أن عنف المستوطنين ليس بمثابة مبادرات فردية بل هو عنف الدولة وهو عنف يسخّر كأداة إضافية - رسمية بدرجة أقلّ – في "صندوق العدّة" الإسرائيليّ المخصّص لتجريد الفلسطينيّين من أراضيهم. التظاهر بأن هؤلاء فقط بعض "النماذج العشوائية" والقول إنّ هؤلاء "شبيبة التلال" وكأنّ محاولة لإيقافهم قد تمت، من شأنه فقط أن يُتيح لإسرائيل الرقص على الحبلين: أن تبقي لنفسها ما أمكنها من متسع للإنكار من جهة وأن تحقق هدف الاستيلاء على أراض في الضفة الغربية كنتيجة لعنف المستوطنين أيضًا.

14 تشرين الثاني/نوفمبر 2021

תושבי ח'ירבת חומסה בין חורבות קהילתם, 4 בנובמבר 2020. צילום: שרית מיכאלי, בצלם

تجمّعات سكّانيّة مهدّدة بالتهجير

كلمة مدير عامّ بتسيلم أمام لجنة حقوق الإنسان في البرلمان الأوروبيّ

أدناه نصّ الخطاب كاملاً قبل أسبوعين في الثالث من تشرين الثاني نفّذت إسرائيل واحدة من أكبر عمليّات الهدم في السّنوات العشر الأخيرة حيث قامت خلال ساعات بهدم خربة حُمصة وهي تجمّع سكّانيّ فلسطينيّ يقع في الأغوار الشماليّة. بذلك شرّدت إسرائيل 74 شخصاً بضمنهم 41 طفلاً. عشرات المنازل والمرافق ومصادر المعيشة جرى تدميرها بالكامل. هذه المعاناة ليست من نصيب حُمصة وحدها إذ استهدفت إسرائيل عشرات التجمّعات السكّانيّة الفلسطينيّة في شتّى أنحاء الضفة الغربيّة المحتلّة. إنّها سياسة التهجير القسريّ الإجراميّة حيث تتعمّد إسرائيل تحويل حياة سكّان هذه التجمّعات إلى كابوس دائم لكي تجبرهم على الاستسلام والرّحيل. إنّه كابوس سنوات من ظروف حياتية لا تُحتمل كعدم الارتباط بشبكة الكهرباء وعدم الحصول على مياه جارية؛ سنوات من الهدم والاضطرار إلى مغادرة منزلك مؤقتاً - ريثما تُنهي القوّات الإسرائيليّة تدريباتها على أرضك والعُنف المتواصل الذي يمارسه المستوطنون بدعم من قوّات الأمن الإسرائيليّة. كلّ عُنف الدّولة المنظّم هذا نجده أحياناً قد تكثّف واختُزل في بضع ساعات سوداء مثلما حدث في حُمصة. إنّها جريمة حرب سواء استغرق تنفيذها سنوات أو بضع ساعات فقط. في ردّه وصف الاتّحاد الأوروبيّ الحدث بأنّه "توجُّه مؤسف" وقال إن "مثل هذه التطوّرات تشكّل عائقاً أمام حل الدولتين". دعوني أقولها بوُضوح: إسرائيل تعلم بحُكم تجربتها منذ عشرات السّنين أنّ أسوأ ما يمكن أن تواجهه هو الإعلان عن القلق بمثل هذه التعبيرات التي لا تمسّ صُلب الموضوع. الشوارع التي تمرّ منها الجرّافة الإسرائيلية في طريقها لهدم منزل فلسطينيّ آخر لا حول له ولا قوّة كلّها معبّدة بهذه الخطابة الفارغة. كلّ مرّة تُستخدم فيها العبارات المهذّبة عوضاً عن تسمية الجرائم بمسمياتها تستمدّ منها إسرائيل جسارة لمُواصلة سياسات اضطهاد الفلسطينيّين وقمعهم بالعُنف وسلب ممتلكاتهم. هذا الإذعان الدوليّ المجمّل بكلام لا معنى له عن "حلّ الدولتين" هو العمود الفقريّ لواقع غير ديمقراطيّ في جوهره نعيشه الآن أي واقع الدّولة الواحدة. يعلم الجميع - في العواصم الأوروبيّة وفي هذا البرلمان أيضاً - أنّ المزيد من التصريحات لن يوقف الهدم القادم. عندما تخلو السّطور من أيّ شيء لا تتكبّد إسرائيل حتى عناء قراءة ما بين السّطور لكي تميّز الضوء الأخضر يشير لها أن استمرّي في اضطهاد الفلسطينيّين. وبدون نتائج وعواقب حقيقيّة سيظلّ هذا الضوء الأخضر يُرسل إشعاعه. حُمصة لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة طالما الإفلات من العقوبة هو القاعدة. تعاني التجمعات الفلسطينية في كافة أنحاء الأغوار من تنكيل مشابه فيما تستمر إسرائيل في إقامة المزيد من البؤر الاستيطانية. في القدس تُجبر الأسر الفلسطينيّة على إخلاء منازلها لكي يسكن فيها مستوطنون يهود. على بُعد بضعة كيلومترات شرقاً ينتظر تجمّع خان الأحمر دوره. في تلال جنوب الخليل تترقّب التجمّعات الفلسطينيّة بخشية قرار الحُكم المنتظر أن تصدره محكمة العدل العليا ليختم معركة خاضوها طوال عشرين سنة لأجل البقاء على أراضيهم. إنّها محكمة عادلة لدرجة أنّها لم تُصدر أبداً حكماً ضدّ جهاز التخطيط "الكافكائيّ" الذي تديره إسرائيل في الضفة الغربيّة والمصمّم خصّيصاً لمنع التطوير الفلسطينيّ من جهة وإصدار رُخص لبناء وتوسيع المستوطنات من جهة أخرى. ومن خلال قيامها بشرعنة كلّ هذا تشكّل أعلى الهيئات القضائيّة في إسرائيل العامل الرّئيسيّ الذي يمكّن إسرائيل من انتهاك القانون على نحو صارخ يتجسّد في سياسة التهجير القسريّ. هذا كلّه يحدث منذ عشرات السّنين - وما زال يحدث بعد أن وضعت إسرائيل حاليّاً على الأقلّ خطّة الضمّ الرسميّ لأجزاء من الضفة الغربيّة جانبًا. لا فرق أن يكون ضمّ الأراضي فعليّاً بحُكم الأمر الواقع أم رسميّاً بحُكم القانون لأنّ المكانة القانونية للأراضي الفلسطينيّة لم تشكّل يوماً عائقاً أمام إسرائيل في الدّفع بمصالحها على حساب حقوق الفلسطينيّين. من الواضح أنّه لو اكترثت إسرائيل للقانون الدوليّ أو احترمت حقوق الإنسان لما بنت أكثر من 250 مستوطنة يقيم فيها اليوم ما يقارب الـ600,000 إسرائيليّ. هل تحتاج أوروبا حقّاً إلى إعلان الضمّ الرسميّ لكي ترى الواقع كما هو؟ كم من سنوات الاحتلال المستديم وكم من التصريحات العلنيّة من أفواه قادة إسرائيليّين، كم من مشاريع البُنى التحتيّة وكم من المستوطنين تحتاج أوروبا لكي تفتح عينيها وتُبصر واقع سيطرة إسرائيل الدّائمة على كلّ شيء وكلّ إنسان بين النهر والبحر؟ مئة سنة احتلال؟ مليون مستوطن؟ ماذا ينتظر الاتحاد الأوروبيّ؟ يمكن للاتحاد الأوروبيّ أن يُدخل في حساب سياساته الخارجيّة عواقب انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان وقد سبق لأوروبا أن استخدمت نفوذها كرافعة ناجحة في السّابق. التقاعس عن ذلك خيار سياسيّ يقوض التزام أوروبا بحقوق الإنسان ويُضعف القواعد التي يقوم عليها النظام الدوليّ؛ والتقاعُس عن ذلك يطبّع الاضطهاد وينزع إنسانيّة الفلسطينيّين - لأنّه كما هو واضح لم يحدث أن تمّت مساءلة أو محاسبة أحد جرّاء اضطهادهم الأبدي. لا عند تدمير تجمّع بأكمله واقتلاعه من أساسه ولا عند إطلاق الرّصاص الحيّ على مئات المتظاهرين على امتداد شريط غزّة الحدوديّ ولا عندما مُحيت من الوجود عائلات بأكملها عقب قصف منازلها خلال القصف المكثّف لغزّة في العام 2014. لا الآن ولا من قبل أبداً. هناك مسؤوليّات تقع على عاتق أوروبّا. إنّها الجسم الدوليّ الأكبر من حيث حرصه الجوهريّ على الديمقراطيّة وحكم القانون. وفي جوار أوروبا تماماً تحدث منذ سنين وفي وضح النهار انتهاكات صارخة وممنهجة لحقوق الإنسان. دعوا الخطابة الفارغة جانباً. انظروا إلى الواقع كما هو. دافعوا عن القيم الإنسانيّة الكونيّة التي نصّت عليها القوانين في أعقاب الحرب العالميّة الثانية. دافعوا عن حقوق الفلسطينيّين. لقد آن الأوان.

16 تشرين الثاني/نوفمبر 2020